قراءة دستورية في الضرورة والوظيفة ووحدة الكيانية الفلسطينية
منذ اللحظة التي أعلن فيها عن تشكيل وتكليف رئيس واعضاء اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة لم يكن الحدث عاديا بل كان شرارة لنقاش واسع تجاوز الاطر القانونية ليغوص في عمق الاسئلة السياسية والدستورية الكبرى اسئلة من قبيل من يملك الحق في الادارة ومن يمنح الشرعية ومن يتحمل مسؤولية الفراغ حين تتآكل مؤسسات الحكم وتتراجع السلطة الحاكمة عن القيام بوظائفها الأساسية؟
هذا الجدل لم يأت من فراغ بل ولد في سياق استثنائي قاس جدًا يعيشه قطاع غزة، سياق صنعته حرب الإبادة وتعمق بفعل الانقسام السياسي وتعطل المؤسسات الدستورية فانتج واقعا مؤلم غير مسبوق، وامام هذا المشهد المعقد صدرت كثير من الاحكام الدستورية والقانونية التي غلب عليها في احيان كثيرة الموقف السياسي المسبق أكثر من القراءة الموضوعية لواقع لم يعد يحتمل الترف النظري.
في خضم هذا الواقع برزت فكرة تشكيل اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة كترتيب تكنوقراطي انتقالي جرى التوافق عليه وطنيا لا بوصفه حلا مثاليا بل باعتباره محاولة لضمان الحد الادنى من انتظام الحياة العامة واستمرارية الخدمات الاساسية للسكان، غير ان هذه المحاولة الواقعية سرعان ما فتحت الباب امام اسئلة قانونية ثقيلة تتعلق بالمركز الدستوري للجنة ومرجعيتها والاثار القانونية لأعمالها والاهم من ذلك خطر تحولها الى مدخل غير مقصود لتكريس الفصل بين غزة وبقية الجغرافيا الوطنية. كما أن إدراج اللجنة، ضمن خطاب تفويض دولي، كما ورد في بيان مهمتها، أنتج أسئلة قانونية أثقل وزنًا تتعلق بمصدر الشرعية، وحدود الوظيفة، والدور والمهمة.
من حيث الاصل يقوم النظام الدستوري الفلسطيني كما رسمه القانون الاساسي المعدل على مبدأ واضح مفاده ان السلطة التنفيذية تمارس حصرا من خلال رئيس السلطة الوطنية الفلسطينية ومؤسسة الحكومة التي يشكلها وتحصل على ثقة المجلس التشريعي ولا يتيح هذا الإطار اي مساحة لإنشاء اجسام تنفيذية موازية او لجان وطنية تدير جزءا من الاقليم خارج المنظومة الدستورية المعتمدة وبهذا المعنى الصارم لا تجد اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة سندا دستوريا او تشريعيا مباشرا يؤسس لشرعية مكتملة الأركان.
غير ان القانون في التجارب الحية لا يقرأ بمعزل عن سياقه، فالحالة الفلسطينية اليوم تتسم بتعطل طويل الامد للمجلس التشريعي وغياب حكومة فاعلة قادرة على بسط ولايتها في قطاع غزة، فضلا عن ظروف الحرب التي قلبت الاولويات رأسا على عقب، وفي مثل هذه اللحظات الحرجة يفتح الفقه الدستوري بابا ضيقا لما يعرف بنظرية الضرورة باعتبارها استثناء مؤقتا يسمح باتخاذ تدابير غير منصوص عليها صراحة عندما يؤدي التمسك الحرفي بالنصوص الى شلل المرافق العامة وتهديد السلم المجتمعي على ان هذا الاستثناء يظل محكوما بشرط جوهري هو الا يتحول الى قاعدة دائمة او بديلا عن النظام الدستوري القائم.
هنا يبرز التمييز الذي قدمه فقهاء الدستور بين شرعية النص وشرعية الوظيفة، فالفقيه / موريس هوريو يرى ان وظيفة الدولة في حفظ النظام العام قد تبرر حلولا استثنائية حين يعجز النص عن مواكبة الواقع، بينما يذهب الفقيه / هانز كلسن الى ان فعالية القاعدة القانونية عنصر اساسي في استمرارها داخل النظام القانوني ووفق هذا المنظور يمكن فهم اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة كأداة وظيفية انتقالية غايتها حماية جوهر النظام الدستوري ومنع انهياره الكامل لا القفز عليه او استبداله.
ويمنح التوافق الفصائلي حول اللجنة بعدا سياسيا لا يمكن تجاهله في مرحلة انتقالية دقيقة لكنه يظل توافقا سياسيا لا يرتقي بذاته الى شرعية دستورية مكتملة فالشرعية السياسية مهما اتسعت لا تحل محل الشرعية الدستورية لكنها قد تشكل جسرا مؤقتا اليها إذا ما وضعت ضمن مسار قانوني منضبط وعليه يمكن توصيف اللجنة بوصفها كيانا وطنيا انتقاليا ذا طابع وظيفي يستمد وجوده من الضرورة والتوافق لا من النص وهو توصيف يحمل في طياته فرصة لإنقاذ الوظيفة والخدمة العامة.
وتبقى مسالة المرجعية هي العقدة الاكثر حساسية في عمل اللجنة خصوصا في القطاعات الخدماتية الحيوية فإدارة الصحة والتعليم والمياه والكهرباء والاغاثة لا يمكن ان تستقيم دون وضوح في الجهة التي تستند اليها القرارات وفي سلسلة المسؤولية والمساءلة ذلك ان غياب هذا الوضوح قد يقود بحكم الامر الواقع الى نشوء مرجعية خدماتية مستقلة في غزة بما يفتح الباب امام انفصال اداري تدريجي حتى لو لم يكن ذلك هدفا معلنا.
في المقابل يمكن للجنة إذا ما أحسن ضبط دورها ان تتحول من مصدر قلق الى اداة وصل ورافعة مؤقتة لوحدة الادارة ويتحقق ذلك عبر ربط عملها سياسيا واداريا بالحكومة الفلسطينية ولو بصيغ تنسيقية انتقالية تضمن الالتزام بالسياسات العامة وتوحيد المعايير الادارية والمالية والتأكيد الصريح على ان اللجنة ليست سوى ذراع تنفيذية مؤقتة لإدارة الخدمات في ظرف استثنائي لا بديلا عن الحكومة الشرعية.
وتتضاعف حساسية هذا الامر في العلاقة مع المجتمع الدولي ولا سيما الجهات المعنية بالسلام والدعم الانساني فهذه الاطراف تبحث عن شريك قادر على التنفيذ لكنها في الوقت ذاته تتحسس من اي ترتيبات قد تفهم بوصفها تكريسا لفصل غزة عن الإطار الوطني الفلسطيني ومن هنا يصبح توصيف اللجنة كآلية وطنية تكنوقراطية مؤقتة تعمل ضمن مرجعية فلسطينية جامعة شرطا اساسيا لاستمرار الدعم الدولي ومنع تحويل المساعدات الانسانية الى اداة غير مباشرة لإعادة انتاج الانقسام.
وتؤكد التجارب الدولية هذا المنحى ففي لبنان مارست حكومات تصريف الاعمال صلاحيات واسعة لسنوات طويلة بحكم الضرورة مع قبول فقهي مشروط بمؤقتيتها وفي العراق بعد عام 2003 انشئت هيئات انتقالية لادارة الدولة في ظل فراغ دستوري ثم جرى لاحقا اضفاء الشرعية عليها عبر نصوص انتقالية، اما في البوسنة والهرسك فقد اديرت قطاعات حيوية من خلال ترتيبات انتقالية محلية ودولية كان هدفها الاساس منع تفكك الدولة لا استبدالها.
في المقابل تحذر التجربة المقارنة من نماذج اخرى كما في الحالة الليبية حيث ادى تعدد الاجسام الانتقالية وتضارب مرجعياتها الى تكريس الانقسام بدل احتوائه ومن هنا فان معيار نجاح اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة لا يقاس فقط بقدرتها على تسيير الخدمات بل بمدى التزامها العملي بمنع نشوء نظام اداري مواز وبإصرارها على ان تكون جزءا من مسار استعادة وحدة النظام السياسي والمؤسسي الفلسطيني.
ومن زاوية الفقه الدولي لا ينظر القانون الدولي العام الى الشرعية باعتبارها شانا داخليا خالصا بل يربطها بالفعالية وحماية السكان المدنيين واحترام وحدة الإقليم، ففي ادبيات الادارة الانتقالية وفي تجارب الامم المتحدة في كوسوفو وتيمور الشرقية كان التأكيد دائما على ان اي سلطة انتقالية يجب ان تكون مؤقتة وموجهة نحو تمكين المؤسسات الوطنية لا الحلول محلها. وعلى هذا الاساس يمكن للجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة ان تحظى بقبول دولي وظيفي طالما التزمت بوضوح بتحقيق أهدافها المعلنة واستعادة عمل المرافق العامة والانطلاق إلى مرحلتي التعافي المبكر وإعادة الأعمار بصورة ثابتة ومستقرة.
اما على مستوى الاثر القانوني لأعمال اللجنة فان قراراتها الادارية رغم ضرورتها تظل بطبيعتها قرارات مؤقتة قابلة للمراجعة والاجازة اللاحقة عند عودة الانتظام الدستوري وينسحب الامر ذاته على العقود والالتزامات التي تبرمها اللجنة والتي ينبغي منذ البداية تقييدها بطابعها المؤقت تفاديا لتراكم مراكز قانونية معقدة كما تمثل اوضاع العاملين معها ملفا حساسا يتطلب معالجة قانونية مبكرة ومسؤولة.
وفي الخلاصة تقف اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة عند مفترق طرق حاسم، فأما ان تدار كحل وطني انتقالي منضبط يسهم في ضمان الحد الأدنى من الحياة الكريمة لأهل غزة؛ وتحمي وحدة الكيانية الفلسطينية، واما ان تنزلق بفعل طول الامد وغياب الضبط الى كيان مواز يكرس الفصل الاداري بين غزة وبقية الوطن.
