"لا دولة بدون غزة" صحيح.."لا دولة من غزة" مش صحيح!

تابعنا على:   08:02 2018-05-03

كتب حسن عصفور/ منذ أن بدأ الرئيس محمود عباس إتخاذ قرارات فرض عقوبات جماعية ضد قطاع غزة، في أبريل 2017، من العاصمة البحرانية المنامة، عندما قالها صريحة وبصوت جهوري، انه "سيتخذ إجراءات غير مسبوقة" ضد قطاع غزة، تسارعت وتيرة الحديث المتوازي عن لا دولة في غزة، ولا دولة بدون غزة..

والحقيقة السياسية تفرض التدقيق كثيرا في هذه المقولة التي باتت وكأنها متلازمة، لكل من فتح، لتغطي حصارها المشترك مع دولة الكيان الإسرائيلي، منذ ما يزيد على العام، وحركة حماس ردا على إتهامات فتح ورئيسها، بأنها تسعى الى إقامة دولة غزة..

عمليا، حصار القطاع المشترك، من الغباء - السذاجة النظر اليه كإجراء اقتصادي فحسب، بل هو تعبير مكثف لرؤية سياسية كاملة، لم يكن الحديث عنها عشية قيام الإدارة الإمريكية بالترويج لمبادرة "صفقة إقليمية كبرى"، جاء مصادفة، أو هروبا من تقدير سليم، وكل القوى الفلسطينية، مهما تعددت الأسماء تعي تماما تلك الحقيقة، بل واشار البعض لها، وإن كان بخجل لحسابات المصالح الفئوية التي باتت "سيدة الأمر القائم" في العلاقات الوطنية..

وإفتراضا، ان عباس قام بما قام به، دون علم بخطة ترامب، أو بلا تنسيق مع الكيان، ولنرمي كل رسائل حسين الشيخ المنشورة عن طلب عباس من تل أبيب بتنفيذ الأمر العباسي لفرض الحصار على القطاع، فلما زاد منها وبشكل ممنهج ومدروس وداس على كل الأصوات التي طالبت بوقفها، سواء كانت صادقة أم مدعية لتغطية عوراتها في السير بمسار عباس لخطف الشرعية الوطنية نحو تدميرها ذاتيا، لما أصر عباس وفاقم من العقوبات على القطاع، وصلت الى سرقة رواتب موظفي السلطة فيه..ويتحدث عنها بزهو طاووسي، لم يحسب وزنا لفصائل قالت أنها لن تشارك في "مجلس التنسيق الأمني" في المقاطعة برام الله..

عباس وبعض فريقه الأمني - السياسي يعلمون تماما جوهر القرار، وأكمله لاحقا بمقولة يختزنها "غباء سياسي نادر" إما إستلام قطاع غزة كاملا من الباب الى المحراب، او لا..ولخصها بشكل هزلي ليثير ضحك مستمعيه، "إما أشيل كل شي أو تشيل حماس كل شيء"..

هل دقق البعض في حقيقة هذه المقولة ومآلها، بإختصار شديد مقولة تروج عمليا الى إعلان قطاع غزة كيانا خاصا، ليس لسلطة عباس عليه أي بعد قانوني، ولا مسؤولية سياسية، وبالتالي أصبح خارج "السلطة الموحدة"..

ملخص المقولة العباسية، إما أنا أو حماس في القطاع، هي الترجمة السياسية لإقامة "دولة من غزة"، مهما تفنن البعض في تفسيرها بغير ذلك..

عمليا لا يمكن إقامة دولة بلا غزة، في الضفة الغربية نظرا لما أصابها من "عطب جغرافي - سياسي"، وأحالها الى مجموعة كانتونات مترابطة عبر السيطرة الإسرائيلية، كما ان القدس لها وضع معقد، مضافا لها أن الأمن الشامل في الضفة والأغوار سيبقى تحت السيادة الإسرائيلية..عمليا لا تملك الضفة واقعيا أي مقوم سيادي لإقامة "دولة"..ولذا عدم الإعلان ليس موقفا وطنيا بل لقصر في الإمكانية السياسية، ولو توفرت لعباس وفريقه  الأمني - السياسي الإمكانيات ما تردد لحظة واحدة في ذلك، وبمسمى "دولة فلسطين" وعندها سيعتبر قطاع غزة إقليما متمردا يطالب الأمم المتحدة أو غيرها المساعدة في "تحريره"..

والعكس تماما في قطاع غزة، حيث المقومات متوفرة كاملة لإقامة "دولة من غزة"، وربما هو التعبير الأدق سياسيا ووطنيا، فدولة من غزة ليست كـ"دولة غزة"، لا قانونيا ولا سياسيا، حيث الإولى تبقي الباب مفتوحا لأن تعتبر دولة فلسطين تبدأ من غزة، وتعتبر باقي أراضي دولة فلسطين في الضفة والقدس أراضي دولة محتلة، وفقا للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية..

حماس بات لديها بعد خطاب عباس الأخير في المجلس الوطني، وإعتباره "وثيقة" رسمية من وثائق منظمة التحرير، الذريعة السياسية - القانونية لإعلان "دولة فلسطين من غزة"، لو توفر لها تحالف وطني مقبول دوليا، وتخلت عن بعض ما بها من "عثرات" بالمكون السياسي - الفكري، وبقايا "الطائفية" الإسمية والمظهرية..

قطاع غزة به الإمكانيات العملية لإعلان دولة، ويمكن له أن يصبح قاعدة مزدهرة إقتصاديا، مشاريعا وبنى تحتية وأيدي عاملة ماهرة، وموقع جغرافي فريد..

مقولة عباس "يا أنا أشيل كل شي في القطاع أو حماس تشيل كل شيء"، هي الهدية التي تنتظرها حماس منذ زمن لفتح طريق خاص..وربما يكون 15 مايو 2018، يوم الإنطلاقة السياسية الجديدة، ولعل تصريح يحيى السنوار قائد الحركة في قطاع غزة في الجمعة الأخيرة من مسيرات الغضب والعودة، على العالم أن يترقب ذلك اليوم، ليس جملة عابرة، فالسنوار لا يصنف كما بعض قيادات حماس  محبا في البحث عن "الإنشاء اللغوي"..

لعل قيادة حماس ترى فرصتها التاريخية في إعادة رسم مسارها السياسي - الفكري كليا كي تتمكن من الفوز بقيادة مسار فلسطيني جديد، خاصة وأن طرقها مع مصر باتت أكثر سلوكا وبكثير من عباس وفرقته، التي تتطاول كثيرا على الشقيقة الكبرى، علنا كتصريحات الرجل الثالث في الحركة الرجوب، او سرا كما يتباهى عباس مع بعض زائيره..والغريب كلها تحت لعبة القرار المستقل الذي لا يراه الفلسطيني سوى ضد مصر والإمارات!

لا دولة بلا غزة صحيح جدا ولا دولة في - من غزة غير صحيح أبدا..ولنا في قادم الأيام ما ينير الطريق السياسي لمن التحق بالركب العباسي أو من أصر البقاء بعيدا..

بالمناسبة لا صراع إطلاقا للحديث على منظمة التحرير كممثل شرعي ووحدي..لكنه سيكوع على مكونات الدولة..من يسبق من وكيف  تلك هي المسألة، لكن معادلة المال السياسي العباسية ستنتج "دولة فلسطين من غزة"!

ملاحظة: حملة اسرائيل ضد خطاب عباس حول "المحرقة" ستنهكه سياسيا، والسؤال ماذا ستكون النتيجة بعد بيان عريقات الذي لم يفلح في تبرير الخطاب..هل يعتذر عباس فينجو من عقاب الأمن الإسرائيلي وهو يعلم ما هو..أم يواصل ليؤكد أنه قالها عن معرفة..سنرى!

تنويه خاص: التهديد بالانسحاب من المجلس لو لم ترفع العقوبات سينتهي بذات كذبة لن نشارك في أي مجلس غير توحيدي منطلق من نتائج لقاء بيروت..الكذب بدأ يغضب من هؤلاء لتشويههم مضمونه!

اخر الأخبار