فنزويلا وكولومبيا من جارين خصمين إلى جارين صديقين
منجد صالح
أمد/ زرت فنزويلا وكولومبيا، بحكم عملي الدبلوماسي، مرارا وتكرارا، في سنوات سابقة،
وخاصة عندما كانا خصمان لدودان، قبل سنوات، يتربّص كل واحد منهما للآخر، للإيقاع به وايذائه،
فنزويلا كانت تدعم حركات الثوار الكولمبيين المناهضين للحكومة اليمينية المدعومة امريكيا واسرائيليا حينذاك،
بالمقابل كانت الحكومة الكولومبية تدعم المعارضة الفنزويلية، التي كانت "تُشاغب" ضد الرئيس هوغو تشافيز ومن بعده ضد الرئيس نيكولاس مادورو، الذي كان وزير خارجية فنزويلا على مدى سنوات،
كولومبيا وفنزويلا جاران خصمان متناحران، تسود بينهما علاقات مشدودة مضطربة متوترة، تصل إلى حد العداء "وتبشيم الخوازيق ودقّ الاسافين"!!!،
لكن وبقدرة قادر واحد احد تبدّلت الاحوال ودار دولاب الزمان، ووصل إلى سدة الحكم في كولومبيا الرئيس التقدمي اليساري غوستافو بيترو،
تحسّنت مباشرة العلاقات مع الجارة فنزويلا وانقلبت الامور مئة وثمانين درجة نحو الصداقة وعلاقات التعاون والتنسيق والانسجام،
لدي تجربة خاصة لطيفة مع فنزويلا، فقد كانت فنزويلا من بين اكثر الدول التي زرتها في امريكا اللاتينية بحكم وجود جالية فلسطينية فيها ناجحة ومرتبطة بالوطن الام، إلى جانب البرازيل والبيرو والاكوادور وكولومبيا والتشيلي، وطبعا المكسيك التي عملت فيها سفيرا لفلسطين،
تجربتي العملية القوية مع فنزويلا بدأت مبكرا، لكن ربما توطّدت منذ عام 1998، عندما شاركت ، كرئيس وفد فلسطين في اعمال مؤتمر فيدرالية الجاليات العربية في الامريكتين، "في آراب"، حيث يتواجد في هذه المنطقة الجغرافية من العالم الجديد حوالي 15 مليون من اصل عربي، معظمهم من اصل لبناني او سوري او فلسطيني،
عُقد المؤتمر في جزيرة مرغريتا الفنزويلية المتاخمة للجارة كولومبيا، وهي جزيرة طقسها حار وربما يتفوّق في حرارته على طقس مدينة اريحا في غور وادي الاردن في فلسطين، والتي تُعتبر اخفض بقعة في العالم، وتقع مع البحر الميت على "انخفاض" اربعمائة متر تحت مستوى سطح البحر،
في هذا المؤتمر بالذات، تمّت دعوة هوغو تشافيز، مُرشّح للرئاسة حينها، لإلقاء خطاب امام مؤتمر الفي اراب،
تعّرفت عليه مباشرة في تلك المناسبة، وعندما عرف انني رئيس الوفد الفلسطيني القادم من فلسطين المحتلة عانقني بحرارة، وضمّني بقوة، فهو عسكري عريق، وقال لي:
"انقل تحياتي للقائد ياسر عرفات وقُل له انني سافتح سفارة لفلسطين في كراكاس اذا فزت في الانتخابات الرئاسية"،
وهكذا كان، فقد فاز بالانتخابات واصبح رئيسا لجمهورية فنزويلا،
بعد فترة، طالت او قصرت، جاءتني مكالمة هاتفية حوالي الحادية عشرة ليلا، "هناك فرق في التوقيت بين فنزويلا وفلسطين بحوالي سبع ساعات،
المكالمة كانت من وزارة الخارجية الفنزويلية، قالوا لي فيها اذا ارسلتم احدا لكراكاس سنفتح لكم سفارة فورا،
وفُتحت سفارة لفسطين في كراكاس، وفُتح بالتالي مكتب تمثيل لفنزويلا في رام الله،
اللقاء الثاني مع الرئيس تشافيز كان بعد عشر سنوات أي عام 2008 وايضا يا لمحاسن الصدف في جزيرة مرغريتا خلال مؤتمرٍ لوزراء خارجية واعلام دول عدم الانحياز،
جاء الرئيس تشافيز وافتتح المؤتمر بخطاب مطول عميق، تشبّه فيه بخطابات فيدل كاسترو الزعيم الكوبي الطويلة،
حينها سلّمت عليه وتذكّرني ودردش معي قليلا،
في تلك الفترة كانت علاقة كولومبيا مع فنزويلا "مثل الشحم والنار" كما يقول المثل الشعبي،
فنزويلا كانت وما زالت، دولة تقدّمية قريبة من الخط الكوبي وخط نيكاراغوا، بينما كولومبيا في تلك الفترة كانت "مرتعا" للولايات المتحدة الامريكية ولاسرائيل، وكانت إلى حد كبير الدولة الوحيدة التي "تُغرّد خارج سرب" دول امريكا اللاتينية التقدمية في معظمها، البرازيل والارجنتين والاكوادور والبيروبوليفيا والاوروغواي،
في هذه الايام تبدّل الحال والمآل مع كولومبيا، حيث اصبحت دولة تقدّمية في عهد الرئيس غوستافو بيترو،
واصبحت العلاقة بين فنزويلا وكولومبيا "سمن على عسل"،
جاران متجاوران متقاربان متفاهمان مُتحابان، تجمعهما علاقات الصداقة والتعاون والتنسيق والانسجام،
وتجمعهما علاقة تأييد الشعب الفلسطيني وقضيته العادلة، وترسيخ العلاقة مع فلسطين بصورة ثنائية وبصورة متعددة الاطراف في المحافل الدولية.
