نجيب القدومي ( أبو فادي)
د. خالد جميل مسمار
أمد/ وسط مناقع الدم الذي يسيل في غزة ومدنها ومخيماتها وفي الضفة شمالها وجنوبها وخاصة مخيماتها..
ووسط الدمار الهائل الذي يلفّها من أقصاها إلى أقصاها .. تحت بصر وأعين العالم كلّه ببث حيّ ومباشر.
ووسط الألم الذي يجتاح الأمة العربية والإسلامية وأحرار العالم.. ووسط أشلاء أطفالنا وأمهاتهم في جريمة يندى لها الجبين.. هذه الجريمة التي لم يشهد لها العالم مثيلاً حتى جريمة هيروشيما ونجازاكي..
وسط هذا الألم الذي يعتصرنا منذ ما يقارب العام.. نفقد رجلاً وطنياً مناضلاً عمل طيلة حياته وفي كل المجالات السياسية والاجتماعية والبرلمانية والتربوية..
ينكر ذاته .. لا يكل ولا يملّ
يشارك الناس أتراحهم وأفراحهم ..
أين أنت يا أبا فادي !؟
أنا في جاهة فلان ابن فلان
أنا في ديوان عزاء عائلة فلان
أنا في عرس فلان
أشارك في مهرجان في مخيم الوحدات
أشارك في مهرجان مخيم البقعة
أشارك في ندوة كذا في إربد
أشارك في ندوة في مادبا ..
ألا ترتاح يا صديقي؟!
لا أستطيع .. يجب أن أكون بينهم ..
هكذا كانت حياته مليئة بالعمل والنشاط..
هكذا كان الصديق والزميل نجيب القدومي (أبو فادي)
عرفته عن قرب عندما كان يأتي إلى مكتب الإعلام الفلسطيني في الأردن منتصف الثمانينات وبداية التسعينات..
كان مديراً تربوياً في مدارس الأونروا..
يبث روح الوطنية في تلاميذه..
ثم تزاملنا في المجلس الوطني الفلسطيني في عمّان عندما تمّ فرزي للعمل في المجلس عندما كان مديراً لمكتب رئيس المجلس الراحل الكبير سليم الزعنون ( أبو الأديب)..
وعندما استلمت ملف البرلمانات الإسلامية ورئاسة اللجنة السياسية التي كان أحد أعضائها الفاعلين..
اشتركنا في الوفود البرلمانية في اتحاد مجالس الدول الأعضاء في منظمة التعاون الإسلامي وسافرنا سوياً إلى بلدان كثيرة في العالم العربي وفي آسيا وأفريقيا..
وكان له الأثر الفاعل في تقوية العلاقات البرلمانية مع الكثير من البرلمانات الإسلامية بالإضافة إلى علاقاته الشخصية مع النواب في تلك البلدان..
وفي أية لجنة من لجان الإتحاد كانت له بصمة فاخترته ليكون ممثل المجلس الوطني في لجنة فلسطين الدائمة بموافقة رئيس المجلس الوطني حيث أن فلسطين هي نائب رئيس اللجنة الدائم.
وقد ترأس اللجنة في المؤتمر الذي عقد في ساحل العاج في العام الماضي وأدارها بطريقة نالت إعجاب جميع أعضاء اللجنة.
نعم عرفته تمام المعرفة..
في العمل .. في المؤتمرات ..
في الندوات.. في الاحتفالات والجاهات وكذلك في العزاءات وأهمها في السفر.
كان صاحب خلق عظيم متمثلاً قول الله تعالى في سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم " وإنك لعلى خلق عظيم"
كان صديقاً وفياً لكل من عرف. يصلح ذات البين.. لا تفارقه الإبتسامة..
كل معضلة أمامه تسهل ويتم حلّها بيسر وسهولة..
كان يصرّ على اصطحابي في كل شيء يودّ القيام به.. ويقدمني على نفسه ويرفض أن أمشي معه أو وراءه بل أمامه .. ويقول لي ليس إحترامي لك بسبب موقعك المتقدم عني فقط بل لأنك تشبه والدي رحمه الله.
لذلك كنّا صديقين حميمين بل أخوين..
نعم .. ربّ أخ لك لم تلده أمك.
كانت وفاته صدمة كبيرة لي شخصياً ..
لأنها جاءت سريعة بعد مشاركتنا سوياً في عزاء فقيدنا الكبير القائد فاروق القدومي " أبو لطف" .
كان يمر عليّ يومياً لنذهب سوياً لصالة العزاء.
لذلك عندما اتفقنا مع الأخ محمد صبيح على اللقاء والمشاركة في جنازته رحمه الله .. جهزت نفسي منتظراً كالعادة أن يمر أبو فادي نفسه ليأخذني للمشاركة في جنازته!!
نعم لأنني اعتدت على تعامله معي هكذا .
بكيته .. كما بكيت اخوتي تميم وغسان ونافذ وأختي خولة..
ما زلت انتظره ليمرّ عليّ لزيارة هنا أو حفلة عرس هناك أو ندوة سياسية في هذه المدينة أو المخيم..
لم أصدق أنه رحل ..
لكنه رحل وشاهدت جثمانه الطاهر يوارى الثرى للقاء ربه.. وأحسبه من أصحاب جنة الفردوس مع الأنبياء والصديقين والشهداء وحسن أولئك رفيقا.
رحمك الله أيها الطيب النظيف المؤمن .. أيها الصديق الوفيّ .. الذي أحبه الناس كما كان يحبهم.
أنتم السابقون ونحن اللاحقون.
وإنا لله وإنا إليه راجعون
