دماء على المائدة الدولية: كيف تُباع القضايا في مزادات السياسة؟

تابعنا على:   01:01 2025-05-16

محمد ناجي الهميس

أمد/ في أروقة السياسة العالمية، لا تُقاس القضايا بميزان العدالة، بل بميزان المصالح. تُفرش الموائد بالمفاوضات، وتُسكب عليها دماء الأبرياء، بينما يتبادل اللاعبون الكبار الابتسامات ويحسبون الأرباح والخسائر. هكذا تُدار الملفات، وهكذا تُباع القضايا.

غزة تُقصف، والقدس تُهوّد، واليمن يُنهك، وسوريا تنزف، والعالم "يتابع بقلق"، كأن الدم الذي يسيل ليس كافيًا لتحريك ضمير، أو كأن المعاناة مشهد روتيني في نشرة الأخبار لا يستدعي أكثر من بيان خجول.

العدالة تُؤجَّل، والمواقف تُباع، والمبادئ تُستبدل بورقة تفاهم أو صفقة عابرة. كل شيء في السياسة قابل للمقايضة: حق العودة مقابل التطبيع، السيادة مقابل الحماية، الكرامة مقابل المساعدات. أما الشعوب، فهي مجرد أرقام في تقارير المنظمات، أو مادة خام لإثارة العواطف وقت الحاجة.

في مزادات السياسة، القوي يفرض السقف، والضعيف يُجبر على القبول.
وهنا لا تُهم الحقائق ولا التضحيات، بل من يملك النفوذ، ومن يستطيع شراء الصمت أو التأييد. وقد تكون الدماء أكثر سلعة مطلوبة لتأمين دعم سياسي، أو لاستخدامها كورقة ضغط في مفاوضات خلف الأبواب المغلقة.

أما الإعلام، فيلعب دور المروّج لهذه المزادات. يُسَوِّق الروايات، يلمّع الوجوه، يمرر الأكاذيب، ويُسكت الأصوات الحرة. قلّة من الصحفيين يقاومون هذا التيار، ويكتبون الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُقال.

وماذا عن الهيئات الدولية؟
غالبًا ما تكون عاجزة، مترددة، أو مُخترقة. تمضي سنوات وتُهدر دماء، ثم تعود الأمم المتحدة لتقول: "ندعو إلى ضبط النفس". أيُّ نفس تلك التي يُطلب منها الضبط، وقد باتت تحت الأنقاض؟

العالم اليوم لا يعاني من قلة القضايا العادلة، بل من وفرة المتاجرين بها. تُفتح الملفات عندما تخدم أجندة، وتُغلق حين تُصبح عبئًا سياسيًا أو ماليًا.
والأخطر أن الشعوب حين تفقد الأمل في العدالة الدولية، تبدأ بالبحث عن خلاصها بأي وسيلة، حتى لو خارج إطار القانون الدولي.

دماء على المائدة الدولية،
هذا هو المشهد باختصار: جراح تُساوم، ومآسي تُقايض، وكرامات تُعرض للبيع، تحت لافتة "الحلول السياسية".

لكن سيبقى هناك من يرفض البيع، من يتمسك بقضيته ولو وحيدًا، من يكتب بالدم إن جف الحبر، ويهتف بالحق وإن صمتت المنابر. هؤلاء وحدهم من يُبقون جذوة القضايا حيّة، بعيدًا عن طاولات المساومات الملوثة.

اخر الأخبار