المشروع الاقتصادي العربي: بين أنقاض الماضي وتحديات المستقبل
نمير العمري
أمد/ في أعقاب الحرب العالمية الثانية، ومع تشكل النظام الدولي الثاني، أطلقت الولايات المتحدة الأمريكية مشروعين استراتيجيين مطلع خمسينيات القرن الماضي. الأول كان "مشروع مارشال" لإعادة إعمار أوروبا، وهو مشروع تنموي تمكيني بامتياز. أما الثاني، فكان "مشروع آيزنهاور"، الذي استهدف المنطقة العربية فيما سُمي حينها بـ"ملء الفراغ" الذي خلفته القوى الاستعمارية الأوروبية. غير أن هذا المشروع لم يكن مشروع تنمية حقيقية، بل أقرب إلى عملية تسكين سياسي مؤقت، يسعى لحماية المصالح الغربية لا أكثر.
في هذا السياق ظهرت في المنطقة العربية مشاريع مضادة، لكنها لم تخرج عن إطار اللاواقعية. كان أولها المشروع القومي بشقيه الناصري والبعثي، الذي تحوّل من حلم أمة عربية موحدة إلى أداة في يد أنظمة استبدادية قامت على القمع الأمني والهيمنة المطلقة. أما الثاني، فكان المشروع الإسلامي بقيادة جماعة الإخوان المسلمين وتفرعاتها، والذي انغمس في رؤى غيبية غير عملية، متمسّكًا بفكرة استعادة الخلافة كصيغة حكم، دون إدراك لتعقيدات الواقع السياسي والاجتماعي.
هذان المشروعان اصطدما في ما يمكن وصفه بـ"صدام ملء الفراغ"، حيث لم يكن الهدف بناء الدولة أو النهضة، بل فرض الهيمنة والسلطة. وقد كانت النتيجة عقودًا من التخلف والجهل وتراجع الولاء للدولة الوطنية، التي اختزلت في شخص الحاكم ونظامه، لا في مفهوم الانتماء العام والهوية المشتركة.
اليوم، ومع بدء تشكل نظام دولي ثالث تغلب عليه البعد الاقتصادي العابر للجغرافيا والعرق، تلوح في الأفق بوادر مشروع عربي جديد، هو "المشروع الاقتصادي العربي". لكن هذا المشروع يبدو أنه يسير على مسارين: الأول تمثله الدول ذات الإمبراطوريات المالية الضخمة، والثاني تلك التي تعاني من الفقر وقلة الموارد.
زيارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب إلى دول الخليج العربي، وحصره اللقاء بقادة المال والنفط واستبعاد الدول العربية الفقيرة، يمكن قراءتها في إطار الصراع الدولي للهيمنة على المنطقة اقتصاديا. بالمقابل، يأتي المقترح الروسي لعقد قمة عربية في موسكو لأول مرة كتحرك بديل، يعكس رغبة موسكو في دخول السباق من بوابة أكثر شمولًا، تشمل حتى الدول العربية الأقل حظًا.
لكن، وسط هذا الحراك الدولي، تبرز مخاوف حقيقية من تهميش الدول العربية الفقيرة، ما قد يؤدي إلى تعميق الفجوة داخل المنظومة العربية نفسها. كما يطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا: هل سيكون المشروع الاقتصادي العربي مشروعًا إقليميًا جامعًا قادرًا على تمثيل المصالح العربية ككل؟ أم سيكون مشروعًا انتقائيًا يخدم فقط مصالح الدول الغنية ويكرر مأساة المشاريع السابقة؟
ما يحتاجه العرب اليوم ليس فقط الانخراط في النظام الاقتصادي العالمي الجديد، بل تأسيس رؤية موحدة، واقعية، وفاعلة، تضمن شراكة عادلة بين مكوناتهم، وتُخرجهم من دوامة التبعية والتهميش إلى موقع الفعل والتأثير.
