عند الله تجتمع الخصوم: القاضي الذي حكم على مرسي يُسلم روحه
محمد ناجي الهميس
أمد/ رحل عن الدنيا القاضي المصري الذي أصدر حكم الإعدام شنقًا على الرئيس الراحل محمد مرسي، في واحدة من أكثر اللحظات القضائية إثارة للجدل في تاريخ مصر الحديث. لقد غادر هذا القاضي بعد سنوات من إصدار حكمه، الذي رآه كثيرون في الداخل والخارج أنه كان مسيّسًا أكثر مما هو نابع من ميزان العدالة.
لقد ذهب محمد مرسي إلى ربه مظلومًا، كما يعتقد ملايين من الناس، واليوم لحقه من حكم عليه. وسواء كان مظلومًا حقًا أم لا، فإن الفصل ليس للبشر، بل عند الله العادل، الذي يعلم ما في النفوس، ويزن بالحق ميزانًا لا يخطئ.
"عند الله تجتمع الخصوم"، قول مأثور تتردد أصداؤه كلما وقعت مظلمة، أو سُمع أنين مسجون، أو دُوِّن حكم جائر. فكم من مظلوم صبر على قسوة الدنيا، وكم من ظالم ظن أنه منتصر، حتى دارت الأيام، وذهبت الأرواح إلى بارئها، وبقي الحساب في الآخرة.
"فويلٌ لقاضي الأرض من قاضي السماء"، إن كان حكمه جائرًا أو مبنيًا على هوى، أو استخدم المنصة لتصفية حسابات سياسية لا علاقة لها بالحق والعدل. القضاء رسالة عظيمة، ومن يقف على منصته لا بد أن يطهر نفسه من كل انحياز، لأن لحظة إصدار الحكم هي لحظة فاصلة بين حياة إنسان ومصيره.
لقد تساءل الناس كثيرًا بعد وفاة القاضي: هل شعر في آخر أيامه بندم؟ هل راجعه ضميره؟ هل عرف أن الأيام لا تبقى على حال، وأن التاريخ لا ينسى؟
الرئيس محمد مرسي، الذي اُنتخب من الشعب، وخلعه الانقلاب، حوكم في قفصٍ زجاجي، ومُنع من الحديث، ثم حُكم عليه بالإعدام، ثم مات داخل المحكمة وهو يرفع صوته بكلمات لم نسمعها بوضوح، لكنها كانت آخر ما نطقه في الدنيا.
رحل مرسي… ثم رحل القاضي… وبقيت القضية حيّة في ضمير الأمة.
وهذا ليس انحيازًا للرئيس مرسي تحديدًا، بل مثالًا صارخًا من أمثلة عديدة لأشخاص حُكم عليهم بأحكام قاسية وظالمة، لا لشيء إلا لأنهم صُنّفوا كمخالفين سياسيين، لا يمتلكون سلطة ولا منابر للدفاع عن أنفسهم. إنهم مواطنون انتهت بهم رحلتهم إلى الزنازين بدلًا من الميادين، وأُغلقت في وجوههم الأبواب لأنهم اختلفوا مع السلطة لا لأنهم أجرموا بحق الوطن.
نحن لا نملك الحكم على النوايا، لكننا نوقن أن الله لا تخفى عليه خافية، وأنه العدل المطلق الذي لا يُظلم عنده أحد، فليطمئن المظلومون، وليراجع الظالمون أنفسهم، فالدنيا ممر، والآخرة مستقر.
رحم الله من مات على الحق، وغفر الله لمن ظلم وتاب، وحمى الله أوطاننا من جور القضاء ومن تسليط السياسة على العدالة.
