اليمن بين المبادرات الإقليمية وصراع الإرادات الدولية قراءة تحليلية في مسارات الأزمة اليمنية وتقاطعاتها المعقدة
محمد ناجي الهميس
أمد/ منذ أن اشتعلت شرارة الحرب في اليمن، لم تعد البلاد ساحة صراع داخلي فحسب، بل أصبحت ميدانًا لتقاطع الإرادات الإقليمية والدولية. بلدٌ مثقلٌ بإرث الانقسامات والمظالم، تحوّل إلى نقطة ارتكاز في مشهد إقليمي مضطرب، وورقة شديدة الأهمية في لعبة النفوذ الكبرى التي تديرها قوى مختلفة، كلٌّ وفق مصالحه.
أولًا: المبادرات الإقليمية… محاولات التهدئة
شهدت السنوات الأخيرة تحركات متعددة من دول الخليج، وعلى رأسها السعودية وعُمان، في محاولة لإيجاد حل سياسي يوقف نزيف الدم المستمر. بدأت المبادرات بالمبادرة الخليجية عقب الثورة الشعبية عام 2011، مرورًا باتفاق الرياض، ثم الهدنة التي ترعاها الأمم المتحدة بمشاركة سلطنة عُمان كوسيط فاعل.
ورغم حسن النوايا المُعلنة، ظلت هذه المبادرات عاجزة عن تفكيك جذر الأزمة، لأنها غالبًا ما عالجت القشرة دون النفاذ إلى عمق الأسباب، وفشلت في فرض التزامات حقيقية على الأطراف المتصارعة.
ثانيًا: صراع الإرادات الدولية… اليمن كملف ضغط
اليمن ليس مجرد بلد فقير في جنوب الجزيرة العربية، بل هو مدخل إستراتيجي إلى البحر الأحمر، وبالقرب من مضيق باب المندب، الذي تمرّ عبره نسبة هامة من التجارة العالمية. هذه الأهمية الجيوسياسية جعلت من اليمن نقطة تنافس بين عدة قوى، مثل الولايات المتحدة، إيران، الصين، وروسيا، وكل منها يحاول الاستفادة من حالة اللااستقرار لتحقيق مكاسب غير معلنة.
واستُخدم الملف اليمني في سياقات تفاوضية متعددة، من ضمنها ملف الاتفاق النووي الإيراني، وأحيانًا لموازنة النفوذ السعودي في الإقليم، أو لإرباك المشهد الخليجي عبر وكلاء محليين.
ثالثًا: بين طموحات الداخل وأجندات الخارج
الشارع اليمني المثقل بالجراح، يعيش بين مطرقة الفقر وسندان الحرب، بلا صوت مسموع، ولا تمثيل حقيقي في طاولات القرار. طموحات الشعب في السلام والتنمية، لا تجد طريقها إلى أجندات المتحكمين في المشهد. القوى الداخلية نفسها – سواء في صنعاء أو عدن أو مأرب – أصبحت رهينة حسابات الرعاة الخارجيين.
وبات من الواضح أن الحل السياسي الحقيقي لن يكون يمنيًا خالصًا إلا حين تتوقف الأطراف الدولية والإقليمية عن استخدام اليمن كورقة تفاوض أو تصفية حسابات.
رابعًا: المأزق الإنساني المستمر
النتيجة الأبرز لهذا التداخل المعقد في اليمن هي مأساة إنسانية مستمرة. ملايين النازحين، انهيار الاقتصاد، تفشي الأمراض، وتراجع الخدمات الأساسية إلى ما قبل الدولة. وبينما يُجري العالم حساباته الباردة على طاولات السياسة، يدفع الشعب اليمني فاتورة الدم والفقر والتشرد وحده.
ختامًا: هل من أمل؟
الرهان الحقيقي يكمن في إرادة يمنية جامعة، تتجاوز الانقسامات وتنتصر للوطن فوق كل الولاءات. كما أن دورًا أكثر حيادية وصدقًا من قبل الوسطاء الإقليميين والدوليين يمكن أن يعيد الأمل إلى المسار التفاوضي. غير أن ذلك مشروط بكفّ التدخلات، وتقديم مصلحة الشعب اليمني على مصالح الفاعلين الخارجيين.
اليمن يستحق سلامًا عادلاً، لا تسوية مفروضة… وطنًا حراً لا تابعًا. وما لم تكن هناك إرادة حقيقية بذلك، فالحرب ستظل تنتج نفسها بأشكال مختلفة، ويبقى اليمنيون الضحية الأضعف في صراع الكبار.
