ثوابت ابن تيمية عقيدةٌ لا تهتز وخوار حزب البعث - قراءة في المفارقة التاريخية

تابعنا على:   14:42 2025-08-09

مروان صباح

أمد/ تشهد الساحة السورية منذ سنوات تحولات جذرية ، لم تقتصر على السياسة أو الاقتصاد فحسب ، بل طالت أيضاً البنية الفكرية والاجتماعية والثقافية ، وفي غمرة هذه التحولات ، تبرز جدلية مثيرة بين تراجع المشروع القومي العربي – متمثلاً في تجربة حزب البعث – من جهة ، واستعادة فكر ابن تيمية لحضوره الفاعل في الخطاب الديني والثقافي والسياسي ، من جهة أخرى ، هذا المقال يحاول قراءة هذا التحول من زاوية تحليلية تربط بين الفشل السياسي ومتانة المرجعيات الفكرية ، كحامل لمشروع قومي وحدوي تحرري ، كان طموحه أن يوحّد الأمة تحت راية الهوية العربية ومبادئ الاشتراكية ، وبالفعل ، تمكن الحزب من الوصول إلى السلطة في سوريا عبر انقلاب عسكري عام 1963 ، ليدير البلاد لاحقاً بنظام شمولي دموي استمرّ لعقود ، لكن رغم طول مدة حكمه " أكثر من 64 عاماً "، فإن المشروع البعثي فشل في تحقيق تطلعاته المعلنة ، سواء على صعيد الوحدة أو التنمية أو العدالة الاجتماعية ، ومع إندلاع الثورة السورية عام 2011، بدا وكأن الشعب قد أصدر فعلياً شهادة وفاة لهذا المشروع ، بعدما تجلّت مظاهر الفساد والاستبداد والقمع التىّ عطّلت نمو المجتمع والمؤسسات (يونس، 2017، أزمة المشروع القومي العربي) ، في المقابل ، يبرز فكر شيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية (1263–1328م) كأحد أكثر المشاريع الفكرية صلابة واستمرارية في التاريخ الإسلامي ، فعلى الرغم من سجنه أكثر من مرة ومحاصرته فكرياً من قبل خصومه ، فإن نتاجه العلمي تجاوز 300 مجلد ، وما زال يُقرأ ويُدرّس في كثير من المحافل العلمية والشرعية (ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج1–37). وقد تعزز هذا الحضور الفكري في العصر الحديث عبر رموز الحركات الإصلاحية ، مثل محمد عبده (1849–1905) ، محمد رشيد رضا (1865–1935)، عبد الحميد بن باديس (1889–1940)، وعلال الفاسي ، وغيرهم ، فهؤلاء المفكرون أعادوا قراءة التراث السلفي بمنهج إصلاحي ، يسعى إلى تحرير الفكر الإسلامي من الجمود ، والانطلاق نحو التحديث من داخل المرجعية الإسلامية نفسها (عبد الرحمن الوكيل ، ابن تيمية - حياته ودعوته) ، ولطالما كانت دمشق مركزاً حضارياً وعلمياً في العالم الإسلامي ، ومثّلت بوتقة لتلاقح التيارات والمدارس الفكرية ، غير أن حكم الاستبداد السياسي عطّل آليات الاجتهاد والتجديد ، وضيّق على الفقهاء والمفكرين ، مما أدى إلى تراجع دورها كمصدر للإنتاج العلمي الحر ، هذا الواقع يتناقض مع مرحلة ابن تيمية ، حيث شهدت دمشق في عصره نقاشات فلسفية وكلامية واسعة ، شارك فيها علماء من اتجاهات متباينة ، رغم القيود السياسية ، ويؤكد ذلك أن استعادة الفكر أين تيمية إلى دمشق – كما هو حاصل اليوم – ليس مجرد عودة رمزية ، بل تعبير عن حنين اجتماعي وثقافي إلى التعددية المعرفية والانضباط الفقهي ، في مواجهة فوضى ما بعد الحرب وتسييس الدين (الهاشمي، 2020، إشكالات العقل الديني) ، يُروج البعض لدمشق كعاصمة للتنوير ، لكن هذا التنوير غالباً ما يُقدَّم في ثوب استشراقي أو غربي ، يقطع الصلة مع الجذور الثقافية والدينية الأصيلة ، في المقابل ، يقدم فكر ابن تيمية نموذجاً لتنوير داخلي ، يعتمد على التأويل العقلاني للنصوص ، وتقديم العقل كأداة لفهم الدين ، دون الوقوع في الغلو أو التقليد ، لقد خاض ابن تيمية سجالات مع المتكلمين والفلاسفة ، ووقف ضد الغزوات الفكرية والعسكرية في عصره ، مما يجعله مرجعاً متجدداً في فهم الدين والدولة والمجتمع . إن المقارنة بين مشروع البعث الذي أنهار رغم تحكّمه بالسلطة لسنوات ، وفكر ابن تيمية الذي استمر رغم الإقصاء ، تكشف عن حقيقة بديهية : لا يمكن لفكر أو مشروع أن يصمد ما لم يكن متجذراً في الوعي الجمعي ، ومبنياً على أسس معرفية واضحة ، تحرير الوعي السوري اليوم لا يعني استبدال استبداد بآخر ، بل يتطلب العودة إلى منطق العقل والعلم والتجديد ، كما أرساها علماء النهضة الإسلامية ، وفي مقدمتهم ابن تيمية … شهد التاريخ السياسي في المنطقة العربية ، وتحديداً في بلاد الشام ، سلسلة من أنماط الحكم التىّ تشترك في سمات الاستبداد ، والهيمنة ، والنهب الممنهج للثروات العامة ، ومن خلال قراءة مقارنة بين سلطنة المماليك في دمشق ، ونظام حزب البعث بقيادة عائلة الأسد ، يمكن تتبّع تكرار بنيوي لأنماط السلطة العدمية ، بما في ذلك تفكيك مؤسسات الدولة ، وإضعاف الاقتصاد الوطني ، وإقصاء أي مشاريع إصلاحية ، يهدف هذا المقال إلى تحليل هذه الأنماط من خلال المقارنة التاريخية والفكرية ، مع الاستعانة بمرجعيات فكرية مثل ابن تيمية في النقد الشرعي للاستبداد ، ونيتشه في تفسير العدمية كظاهرة سياسية ، عرفت دمشق في الحقبة المملوكية سلطة عسكرية تتقاطع مع ما يصفه المؤرخ تقي الدين المقريزي بـ”تفكك الإدارة وانتشار الفساد والمحسوبيات” (المقريزي ، السلوك لمعرفة دول الملوك) ، هذه السمات ظهرت مرة أخرى في القرن 20 ، مع صعود حزب البعث إلى السلطة عام 1963، ثم ترسيخ حكم العائلة عبر حافظ الأسد ومن بعده ابنه بشار ، يُظهر هذا النمط من الحكم توجّهاً نحو بناء “دولة فوق الدولة”، حيث لا تحكم المؤسسات ، بل تتحكم بها شبكات ولاء ضيقة قائمة على العصبية والطائفية ، وهدفها الأساسي هو استمرار السيطرة لا بناء الدولة ، ويمكن فهم ما يحدث في سوريا من زاوية فلسفية أيضاً ، فالعدمية السياسية ، التىّ تحدث عنها نيتشه بوصفها غياباً للمعنى والقيم في أنظمة السلطة ، تبدو واضحة في نظام الأسد ، حيث يُمارَس الحكم بلا مشروع وطني ، أو غاية إجتماعية ، أو وعي اقتصادي تنموي (نيتشه، إرادة القوة) ، كما أن الكيان الإسرائيلي ، رغم اختلاف السياق ، يمارس أنماطاً مشابهة من العدمية ، تتجلى في الغطرسة الاحتلالية ، وغياب أي رؤية للسلام العادل ، مما يجعله ، هو الآخر ، مهيأً للسقوط وفق قانون “العدمية التاريخية”، التىّ لا يمكن أن تؤسس لاستقرار طويل الأمد ، الفساد الذي تواجهه سوريا اليوم ليس مجرد فساد إداري أو مالي ، بل هو “فساد مركب”، يقوم على بناء شركات ومؤسسات ظاهرها الربح ، وباطنها نهب الأصول واحتكار السوق ، وهذا ما يجعل أي محاولة إصلاحية عرضة لصدمات متكررة بسبب تعقيد البنية وشبكات المصالح ، ولقد تعمّد نظام الأسد – لا فقط تدمير الاقتصاد الوطني – بل وضع “عوائق مستقبلية” تعيق أي مشروع نهضوي قادم ، وهذه استراتيجية تتطلب تفكيكاً دقيقاً من خلال معلومات شاملة ، وقدرة سياسية وقانونية على المواجهة . المسألة السورية ، في أعمق أبعادها ، ليست فقط أزمة حكم ، بل أزمة نموذج سلطوي يعيد إنتاج العدمية عبر الاستبداد والفساد ، ولا بد من مواجهة هذه الأزمة بتبنّي رؤية إصلاحية شاملة ، تستلهم تجارب سابقة مثل ما قام به ابن تيمية ، وتوظّف أدوات العصر من الشفافية الرقمية ، والمسؤولية الاجتماعية ، وإعادة توزيع الثروات بعدالة ، فالمستقبل لن يكون إلا لمن يملك مشروعاً بديلاً للعدمية ، يعيد للدولة دورها التاريخي كضامن للعدالة ، لا كأداة قمع … شهدت الساحة السورية تحولات سياسية واجتماعية معقدة ، حيث برزت ظواهر عديدة أثرت في وعي المجتمع السياسي ، من بين هذه الظواهر ، ما يمكن تسميته بـ«الجبهات» السياسية التىّ لم تكن وليدة اللحظة ، بل أداة محكمة لاستنزاف الطاقات وإضعاف العمل السياسي في البلاد ، وتتشابك في هذا السياق قضايا فقهية وفكرية تتعلق بفهم الأصول الفقهية والاجتهاد ، وما يترتب عليهما من تأثير على الوعي الجمعي ، تهدف هذه المقارنة إلى تقديم قراءة نقدية تجمع بين تحليل الأبعاد الفقهية والاجتماعية ، مع تسليط الضوء على الآثار المترتبة على هذا الخلط ، وضرورة تبني قراءة علمية منهجية للتراث الفقهي ، ولقد شكلت «الجبهات» في السياق السوري ، والتىّ تمثل تحالفات سياسية متعددة ، واحدة من أوائل الأدوات التي وظفت لإدخال المجتمع في دوامة استنزاف مستمرة ، بحيث تُشغل القوى الوطنية بالمهام الثانوية ، وتُبعدها عن العمل السياسي الفاعل ، مما أدى إلى إضعاف دور الجماهير وتضليلها عن القضايا الأساسية .

وثمة خلط واضح بين أصول الفقه -التىّ تمثل قواعد استدلالية ثابتة وثابتة لا تقبل التعدد- والاجتهادات الفقهية التىّ تعبر عن آراء فقهية قابلة للنقد والمراجعة ، يؤكد الإمام الشافعي في الرسالة أن أصول الفقه هي الأساس الموحد ، أما الاجتهاد فهو مجال مفتوح يستجيب لتغيرات الزمان والمكان ، كما بيّن ابن القيم في إعلام الموقعين ، تاريخياً ، أدّى بعض الاجتهادات الخاطئة إلى تحريف مفاهيم التوحيد والإخلاص في الأعمال ، وهو أمر رفضه أغلب الفقهاء ، إلا أن تلك الاجتهادات وجدت طريقها إلى بعض التيارات الفكرية التىّ أسهمت في تشويه الفكر الديني ، مما أدى إلى تراجع القدرة على مقاومة الفساد والاستبداد ، ومثال على ذلك التقديس المفرط لشخصيات مثل ابن تيمية ، حيث يَرفع البعض مكانته إلى ما فوق الحد ، متجاوزين مواقف نقدية بسيطة طرحها ، مثل التساؤل حول طلب المدد من الأموات بعد الدعاء لهم بالرحمة (انظر مجموع الفتاوى) ، وهذه الظاهرة ليست حكراً على فرقة بعينها ، بل تظهر في عدة سياقات داخل المجتمع الإسلامي ، وتفرض المرحلة الراهنة ضرورة إعادة قراءة التراث الفقهي بأسلوب نقدي علمي ، يرتكز إلى الأدلة والبراهين ، بعيداً عن التقديس الأعمى أو رفض التراث جملة وتفصيلاً ، هذه القراءة تعزز ملكة الانتباه وتسهم في تحفيز التساؤلات المنهجية التىّ تسبق الإجابات ، ما يرسخ أسس الاجتهاد السليم والوعي النقدي .

يمكن القول إن استنزاف الطاقات السياسية في سوريا لم يكن مجرد صدفة ، بل إرتبط ارتباطاً وثيقاً بخطابات فقهية واجتهادية اتسمت بالخضوع للمنطق السلطوي أو الشعوذي ، ومن هنا  تبرز أهمية الفصل الواضح بين أصول الفقه ، التىّ تبقى ثابتة ، والاجتهادات التىّ ينبغي أن تخضع للنقد الدائم ، كما أن التقديس المفرط لشخصيات يحجب عن الأذهان إمكانات الفهم المتجدد ، لذلك ، لا بد من قراءة نقدية علمية منهجية للتراث الفقهي ، لتقوية الوعي السياسي والفكري في مواجهة تحديات العصر … من اللافت ملاحظة ، رغم ما يبدو أحياناً تناقضاً صارخاً ، فأن جماعة البعث وكل من يتبع نهجها قد حولوا الوعي الشعبي إلى كيان سلطوي منغلق ، يتسم بالجرم السياسي ، فقد استغلوا كل الإمكانيات المتاحة ، بما في ذلك الموارد المالية المنهوبة ، لتثبيت قبضتهم على الشعب والسيطرة عليه (يتناول هذا الكتاب كيف استُخدمت الموارد المالية والسلطة لقمع الوعي الشعبي في الأنظمة السلطوية بالمنطقة، مع دراسة حالة سوريا Smith, 2018) ، ومنذ إستلام حزب البعث مقاليد الحكم في سوريا ، لم تشهد البلاد وجوداً حقيقياً للنظام التعددي السياسي ، بل على العكس ، فقد أتخذ النظام شكلاً أحادياً مغلقاً (يناقش الكتاب غياب التعددية Jones, 2020) ، حتى الحزب الشيوعي السوري ، الذي يُعتبر شريكاً في مؤسسات الدولة ، كان قد أصدر بياناً رسمياً يعترف بدولة إسرائيل وقرار تقسيم فلسطين ، مما يعكس توجهات سياسية معقدة داخل النظام (Brown, 2017 مواقفه من القضية الفلسطينية، وعلاقته بحزب البعث ) ، كما أن الحلفاء الإقليميين للنظام ، وعلى رأسهم إيران والمليشيات العراقية وحزب الله ، لم يتعرضوا لانتقادات فعلية على خلفية خطابهم الطائفي ، رغم ما يتضمنه من توترات قومية ومذهبية ساهمت في تأجيج الصراعات الداخلية (في الصراعات الطائفية Al-Hassan, 2019).

في المقابل ، وعلى الرغم من اعتدال الخطاب الرسمي للنظام الحالي في دمشق ، يقدم هذا الخطاب مشروعاً فكرياً يسعى إلى إعادة بناء الإنسان السوري ضمن إطار مجتمع ودولة يسوده القانون ، والاعتراف بالتنوع الثقافي والإنساني ، وهو مشروع يرتكز على قيم إنسانية وأخلاقية مستمدة من تعاليم دينية واضحة تحث على صون الإنسان وحقوقه ( بناء الإنسان ضمن إطار حقوق الإنسان والقانون Mahmoud, 2021) ، ويتمثل الفارق الجوهري بين الماضي الذي تميز بسياسات النهب والتدمير الواسع لسوريا ، والحاضر الذي يحاول التعويض عن تلك الفواجع والمآسي ، في هذا المشروع الفكري الذي يسعى لاستعادة الحقوق وتعزيز التنمية الشاملة (التركيز على البعد الاجتماعي والاقتصادي Khalil, 2022)

اخر الأخبار