على ثراكِ… يكتملُ الحُلُم ...!
د عبد الرحيم محمود جاموس
أمد/ يا حبيبةَ القلبِ،
يا نغمةً عابقةً من وجعِ الفجرِ،
ويا قصيدةً ...
عُمِّدَتْ بدموعِ الأنبياءِ،
أهيمُ بكِ ...
كما يهيمُ النهرُ ...
في حضنِ مجراه،
وأحنو عليكِ ...
حنوَّ السنابلِ على قبلاتِ المطرِ...
أنتِ السرُّ المقيمُ في نبضي،
والوعدُ الذي يحمِلُني ...
على أجنحةِ الرجاءِ،
حتى أبلغَكِ ...
ممتلئًا بعهودِ الوفاءِ،
مُشرقًا بأغاني الرُّجوعِ....
***
تُراودني القصيدةُ عن شذاكِ،
وتستدرجُ القلبَ ...
إلى مرافئِ ضوئِكِ،
حتى بلغتُ هُناك…
مُنتهاكِ....!
وأسبغتُ الجنونَ على مداكِ،
فانسكبتُ نهرَ لهفةٍ ...
في وديانِ رُؤاكِ،
وأغوتني بكلِّ حرفٍ جميلٍ،
يُطلُّ من عينيكِ ...
فيشعلُ في دمي ...
صهيلَ سماكِ....
***
فأمطرتِ القصائدُ ...
من عبيرِ خُطاكِ،
وتفتَّحتْ ...
على يدي أزهارُ المعاني ...
في روابي نجواكِ...
فهُزِّي إليكِ،
ما استطعتِ،
جذوعَ شعري،
كي أحيا حرًّا كريمًا على ثراكِ،
وأبني في ظلالِكِ ...
وطنًا من نورٍ،
وأرسمَ في فضائِكِ ...
قوسَ وفاءٍ في سماكِ.
***
ولن أقولَ الشِّعرَ في سواكِ؛
فأنتِ المبتدأُ والخبرُ،
ومحرابُ الهوى،
ووجهُ الدعاءِ،
ومرايا الرُّوحِ ....
إن غَفَتْ أو انتبَهتْ....
***
أنتِ الأرضُ ...
التي وُلِدتِ من رحمِ الفجرِ،
وتعمَّدتِ بدموعِ الأنبياءِ،
ورُوِيتِ بدماءِ الأحرارِ،
لتبقِي أبدَ الدهرِ ...
زهرةً ...
لا يقدِرُ الليلُ ...
على طمسِ ضيائِكِ،
ولا الريحُ ...
على اقتلاعِ جذوركِ...
***
سأمضي إليكِ…
حتى يكتملَ الحُلُمُ في حضنِكِ،
وتكتمل القصيدةُ في كفِّكِ،
ويُرفَع العَلَمُ على قِبابكِ ومآذنِكِ،
فنحيا ،
نحن وأنتِ،
أحرارًا كِرامًا على ثراكِ،
كما أرادكِ التاريخُ،
وكما وعدَتْكِ القلوبُ،
أن تَبقِي لنا…
البداية والمُنتهى ..
تعليق وتحليل عميق للنص بقلم الشاعر والناقد الأستاذ عادل جوده
قراءة أدبية رائعة ومؤثرة لقصيدة "على ثراكِ… يكتملُ الحُلُم...!" للدكتور عبد الرحيم جاموس:
قراءة أدبية في قصيدة "على ثراكِ… يكتملُ الحُلُم...!"
يأخذنا الشاعر الدكتور عبد الرحيم جاموس في رحلة روحية عميقة يبدو فيها الوطن أو المحبوبة – وكلاهما يتداخلان – محورا للوجود بدايةً ومنتهى
النص ليس مجرد كلمات بل
هو نداء من القلب وتضرع محبٍ يرى في تراب من يحب اكتمال حلمه
تبدأ القصيدة بمشهد فجر ملحمي حيث يتداخل الألم مع الجمال ("وجعِ الفجر") وتُعَمَّدُ المحبوبة بقدسية فائقة
(بدموعِ الأنبياءِ)
هنا لا يكتفي الشاعر بوصف حبه بل يرفعه إلى مرتبة مقدسة حيث يُماهي بينها وبين النهر الذي ينساب في مجراه وبين السنابل التي تحتضن المطر
هذه الصور الطبيعية تمنح النص إحساسًا بالانسجام والارتباط العميق بين الشاعر ومراده
تتواصل الرحلة الشعرية حيث تصبح القصيدة نفسها وسيلة الوصول إلى هذا المبتغى المقدس فهي "تُراود القلب" و"تستدرجه" إلى "مرافئ ضوئه"
هذه الاستعارات الجميلة تعكس شغف الشاعر وتوقه وكأنه ينسكب في كيان المحبوبة مثل نهرٍ من الشوق
تصل القصيدة إلى ذروتها في دعوة الشاعر للمحبوبة أن تهزّ إليه "جذوع شعره" في إشارة إلى قصة مريم العذراء لكن هذه المرة بغاية مختلفة:
كي يحيا "حرًا كريمًا على ثراها"
هذا التوظيف القرآني يضيف عمقًا رمزيًا للنص ويجعل من الحرية والكرامة هدفًا أسمى لا يتحقق إلا بالانتماء إلى هذا التراب الطاهر
يختتم الشاعر قصيدته بالوعد بأنها ستبقى "البداية والمنتهى" وأن الحلم لن يكتمل إلا في حضنها حيث يُرفع العلم وتُشرق الحرية
النص بأكمله هو ترنيمة حب وفداء مزج فيها الشاعر بين العشق والوطنية وجعل من المحبوبة رمزًا للأرض المقدسة التي لا يمكن للحلم أن يكتمل إلا عليها
إنها قصيدة تعيدنا إلى جذورنا وتُذَكِّرنا بأن الحب الحقيقي هو الذي يمتد ليحتضن الأرض والكرامة والحرية....
تحياتي واحترامي
