الأقصى يواجه لحظته الفاصلة: صمود أم استلاب كامل؟
سالي علاوي
أمد/ منذ نكسة حزيران عام 1967، والمسجد الأقصى المبارك يتعرض لموجات متتالية من الاستهداف الإسرائيلي، غير أنّ ما يجري اليوم يختلف في خطورته واتساعه؛ إذ باتت التحركات الإسرائيلية تسير بوتيرة متسارعة نحو محاولة فرض واقع جديد يهدد هوية المسجد وقدسيته، ويمهد لمشروع أكبر تسعى جماعات "الهيكل" المتطرفة لتحقيقه، وهو بناء ما يسمونه "الهيكل الثالث" على أنقاضه.
من التقسيم الزماني إلى المكاني
بدأت السياسة الإسرائيلية تجاه الأقصى بما يسمى التقسيم الزماني، أي تخصيص أوقات محددة لدخول المستوطنين والقيام بصلوات تلمودية في باحاته، خاصة خلال الأعياد اليهودية، ورغم أن ذلك جوبه برفض فلسطيني واسع، إلا أنّ الاحتلال واصل تكريسه عمليًا عبر قوة السلاح.
اليوم، تتجه المؤشرات إلى ما هو أخطر: التقسيم المكاني. فكما حدث في الحرم الإبراهيمي بالخليل عام 1994، عندما فُرضت السيطرة الإسرائيلية على جزء منه بعد مجزرة المسجد، تتصاعد المخاوف من أن يتم نسخ التجربة نفسها في الأقصى، بحيث تُخصص أماكن دائمة للمستوطنين داخله، بما يعني تقليص الوجود الإسلامي شيئًا فشيئًا.
لم تعد الاقتحامات حدثًا عابرًا، بل أصبحت يومية تقريبًا، بمشاركة وزراء وأعضاء كنيست، وتحت حماية أمنية مكثفة. هذا التحول يكشف عن انتقال الاقتحامات من "فعل فردي" إلى سياسة دولة.
إلى جانب ذلك، تواصل المحاكم الإسرائيلية إصدار قرارات متساهلة تسمح لليهود بأداء "صلوات صامتة" داخل الأقصى، وهو ما يمثل شرعنة قانونية أولية لما قد يصبح لاحقًا صلوات علنية ومعلنة.
على الرغم من أنّ فكرة بناء "الهيكل الثالث" تبدو ضربًا من الخيال السياسي والديني، إلا أن الجماعات المتطرفة في إسرائيل تعمل بجدية على التهيئة لها، سواء من خلال الحفريات المكثفة حول الأقصى، أو عبر إعادة إنتاج الرواية التوراتية في الخطاب الرسمي والإعلامي الإسرائيلي.
هذه الجماعات لا تعمل بمعزل عن الدولة، بل تحظى بدعم سياسي متزايد، خاصة مع صعود اليمين الديني المتشدد، الذي يرى في الأقصى "رمز السيادة" على القدس، ولا يتردد في الجهر بنيته "استعادته" من المسلمين.
يلعب الأردن – بصفته صاحب الوصاية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس – دورًا رئيسيًا في إدارة الأقصى، إلا أن سلطته تتعرض للتهميش المستمر بفعل الإجراءات الإسرائيلية.
أما الموقف العربي والإسلامي، فقد أضعفته الانقسامات الداخلية والتطبيع السياسي، ما أتاح لإسرائيل هامشًا واسعًا لفرض وقائع جديدة دون خشية من ردود فعل مؤثرة.
هل نصحو على واقع جديد؟
السيناريو الأقرب هو فرض تقسيم مكاني على غرار ما حدث في الخليل، وهو ما قد يُفقد المسلمين السيطرة الفعلية على أجزاء من الأقصى. أما السيناريو الأخطر، فهو المضي نحو تنفيذ مخطط "الهيكل"، الذي قد يُدخل المنطقة بأسرها في صراع ديني مفتوح.
يقف المسجد الأقصى اليوم أمام أخطر مرحلة في تاريخه الحديث؛ فالمسألة لم تعد مقتصرة على اقتحامات متكررة، بل تتعلق بمشروع استراتيجي يهدف إلى نزع هويته الإسلامية، وتحويله إلى ساحة صراع ديني وسياسي.
إن ما يجري في الأقصى ليس شأنًا فلسطينيًا فحسب، بل هو قضية تخص الأمة الإسلامية جمعاء، بل والإنسانية بأسرها، لما يحمله من أبعاد تتعلق بالعدالة التاريخية وحرية العبادة. فهل نصحو قريبًا على واقع جديد يُسلب فيه الأقصى من المسلمين بشكل كامل؟ أم يظل هذا المسجد شاهدًا على صمودٍ يحول دون تحقق مخطط الاحتلال؟
