الأطباء والمستشفيات بعد الحرب: بين الانهيار وضرورة التدخل الدولي

تابعنا على:   14:16 2025-10-20

محمد ناجي الهميس

أمد/ بعد أن وضعت الحرب أوزارها مؤقتًا في غزة، لم يعد المشهد الصحي هناك مجرد أزمة إنسانية ، بل كارثة متكاملة تهدد حياة الملايين.
فالمستشفيات التي كانت بالأمس خطوط الدفاع الأولى عن المدنيين، تحولت اليوم إلى مبانٍ شبه مدمّرة، بلا تجهيزات كافية، ولا طواقم مكتملة، ولا أدوية ضرورية.
إنها مرحلة ما بعد الحرب التي تبدو أصعب من أيامها الأولى، لأن الألم الآن لا يصدر عن القصف، بل عن العجز، والانتظار، والوجع الممتد.

أولويات عاجلة لا تحتمل التأجيل
المطلوب اليوم ليس مجرد مساعدات رمزية أو تصريحات تضامن، بل خطة إنقاذ عاجلة تبدأ بإعادة تشغيل المستشفيات المدمّرة وتوفير بيئة آمنة للطواقم الطبية.
ينبغي أن تكون هناك فرق دولية طبية متخصصة تدخل فورًا إلى القطاع لتقديم العلاجات الطارئة، وإعادة تأهيل الجرحى، ومعالجة الحالات النفسية الناتجة عن الصدمات.
كما يجب تفعيل جسر طبي مفتوح يسمح بإدخال المعدات والأدوية دون قيود سياسية أو عسكرية، لأن صحة الإنسان لا ينبغي أن تكون رهينة تفاوض أو تأجيل.

دور المجتمع الدولي… من الشجب إلى الفعل
لقد أثبتت التجربة أن بيانات الإدانة وحدها لا تُعيد نبضًا توقف، ولا تُرمم جرحًا مفتوحًا.
لذلك، على الأمم المتحدة ومنظمة الصحة العالمية، ومعهما الدول القادرة، أن تنتقل من مرحلة الخطاب الإنساني إلى مرحلة التنفيذ العملي.
من غير المقبول أن يبقى القطاع الصحي الفلسطيني وحيدًا في مواجهة تداعيات حربٍ دمّرت أكثر من نصف مستشفياته، وأخرجت معظم مراكزه الطبية عن الخدمة.

ينبغي إنشاء صندوق دولي لإعادة إعمار القطاع الصحي في غزة، تشرف عليه جهات نزيهة وشفافة، تضمن وصول الدعم إلى المستشفيات والطواقم مباشرة دون وسطاء أو تسييس.
كما يجب دعم الكوادر الطبية نفسيًا ومهنيًا، فهم أنفسهم يعيشون آثار الحرب، ويحتاجون إلى إعادة تأهيل كي يتمكنوا من أداء رسالتهم الإنسانية من جديد.

الطب رسالة حياة لا ينبغي أن تموت
الطبيب في غزة لم يعد مجرد ممارس لمهنته، بل أصبح رمزًا للثبات في وجه الانهيار.
هو من ينقذ الأرواح رغم فقدانه بيته وأسرته، وهو من يقف في غرفة العمليات على ضوء هاتف محمول لأن الكهرباء انقطعت.
لهؤلاء يجب أن يُمنح الدعم الكامل، لا بالثناء، بل بالفعل، وبالموارد التي تُمكّنهم من إنقاذ غيرهم.

خاتمة: الوقت ينفد
إعادة إعمار ما تهدّم في غزة تبدأ من إحياء القطاع الصحي، لأنه الأساس لكل شيء آخر: التعليم، العمل، والحياة نفسها.
فلا إعمار بلا شفاء، ولا مستقبل بلا أطباء قادرين على مواصلة عملهم.
إن ما تحتاجه غزة اليوم هو تحرك عاجل، واقعي، وشامل، يضع الإنسان أولًا قبل السياسة، والضمير قبل المصالح.

اخر الأخبار