صرخات تمرّد خلف الأسلاك… حكاية الأسرى بين عتمة العذابات وضوء الإرادة
سامي إبراهيم فودة
أمد/ هناك وراء الأسوار، حيث تُطوى الأصوات وتُحاصر الأنفاس، يولد نوع آخر من الوجع لا تصفه الكلمات، وجعٌ يختبر صلابة الروح حين تُحاصر الأجساد، ويُقيم في القلب حين تغترب الحرية خلف الحديد. تلك الحكايات التي تصلنا من معسكرات الاعتقال ليست مجرد أخبار أو روايات عابرة، بل شواهد حيّة على صراع الإرادة مع قسوة القيد، وعلى عزيمة لا تنكسر رغم ما يُمارس بحق أصحابها من أساليب القمع والإذلال.
ومن بين هذه الحكايات، تطلّ معاناة الأسرى في معسكر "جلعاد" كجرس إنذار يدوّي في الوجدان، لتكشف عن أذرع العذاب الممتدة وجدران الألم التي تلتف على حياة بشرٍ لا يملكون إلا صبرًا ورجاءً.
في معسكر "جلعاد"، ذاك الذي انبثق حديثًا كفرعٍ من معسكر عوفر، لا يُقاس الزمن بالساعات بل بصدى الضربات، ولا تُعدّ الأيام بالضوء بل بمدى قدرتهم على الصمود. أكثر من مئة وعشرين معتقلاً، معظمهم من الوجوه الجديدة في درب المعاناة، يواجهون واقعًا زُرعت فيه الخشونة عمدًا، وكُسرت فيه أبسط حقوق الإنسان دون وجل.
تتسابق شهادات الأسرى إلى فضح ما يجري بين تلك الجدران، وكل شهادة تحمل في طياتها ما يكفي لإيقاظ الضمير البشري كله.
وأشدّ ما يتردد في إفاداتهم هو الصعق بالكهرباء؛ تلك الأداة التي تحوّلت إلى لغة قمع ثابتة، لا تفرّق بين من يؤمّ المعتقلين للصلاة ومن يقف دقائق عند نافذة الحديد بحثًا عن نسمة حياة. كهرباء تُصَبّ على الجسد كجلدٍ من نار، وكأن الهدف ليس العقاب فحسب، بل ترك ندبة في الروح لا تُنسى.
وفي ليلة باردة، حين يتوقع المرء أن يكون السرير ملاذًا، يتحوّل "البرش" المصنوع من قضبان الحديد إلى جلدٍ جديد، يمزّق استقرار الجسد قبل أن يمسّ الراحة. فرشات رقيقة لا تكاد تُرى، وأجساد ترتجف من البرد، فتفضّل الأرض رغم خشونتها على تلك الأبراش التي تحوّلت إلى أداة إضافية للتنكيل. ثم تأتي لحظات التفتيش الصباحي في السادسة لتزيد المشهد قسوة؛ تُرفع الأغطية، وتُسحب الفرش، وتُترك الأجساد معلّقة بين برد الصباح وحرمان النوم حتى ساعات الليل المتأخرة.
أمّا "العدد" أو الفحص الأمني، فلا يحمل من اسمه سوى الشكل، إذ يُستغل لتحويل الأسرى إلى تماثيل مُنهكة: رُكوعٌ طويل، أيادٍ مرفوعة فوق الرؤوس، ووقت يُستنزف ببطء مقصود، كأنهم يريدون أن يختبروا قدرة الإنسان على الاحتمال حدّ الانكسار.
ويأتي الطعام ليكمل دائرة المعاناة؛ وجبات لا تُشبه الطعام، روائح العفن تفوح منها، وقليلها لا يسد جوعًا ولا يحفظ جسدًا. جوعٌ يلتصق بالذاكرة وبالجوف، حتى صار كل أسير يشعر أنّه يخوض معركة مزدوجة: معركة مع الألم ومعركة مع الجوع.
أمّا حين يحين وقت الزيارة، فالمشهد الذي يسبق اللقاء يختصر الكثير: أيدٍ وأقدام مكبّلة، رؤوس منخفضة، عيون معصوبة، وأوامر حادّة تدفعهم إلى رفع الأيدي فوق الرأس، في رحلة قصيرة لكنها تختزل معنى الإذلال بكل ما فيه من قسوة.
في ختام سطور مقالي:
ومع كل ما يجري خلف الأسلاك الشائكة، يبقى الأسرى، كعادتهم، مدرسةً في الثبات. قد يطفئ السجان الأنوار، وقد يضيّق عليهم الزنانين، لكنهم يصرّون أن يبقوا مشاعل نور داخل عتمة القهر.
هم لا يصرخون ليستجلبوا الشفقة، بل لينسجوا ما يشبه النداء الأخلاقي للعالم، ولمن بقي في ضميره حيّزٌ للعدل وللكرامة الإنسانية.
ومهما حاول الجلادون أن يطوّقوا أجسادهم بالحديد، ستظل أرواحهم أوسع من الجدران، وأقوى من القيد، وأبقى من معسكر "جلعاد" ومن كل أسماء القمع والظلم.
