اوراق ناجية من الطوفان
لم تكن اقل حزنا مني...
أماني عطا زعرب
أمد/ حزنها فاق حزني مضاعفة لهذا وجدت في صمتي ملاذا للفرار من اكذوبة الصبر الذي يقولون احمله في ابتسامتي المصطنعة ،كانت تروى لي قصتها بل اعجوبتها في حالة من التيه والاغتصاب لكل ابتسامة هاربة من محياها الفاقد للامل والنجاة من طاحونة الطوفان...
حدثتني صادقة لكل حرف تجرعته وجعا ليال طوال، تصف لي طفلها الذي كبر واصبح شابا وارف الطول مفتول العضلات قوي البنيان جميل الهيئة والخلق والبنان تحدثت بقهر" يا الله ما احلاه يا اماني،...
هنا تنهدت معها عميقا اننا نتشارك وجع الفقد يا عزيزي لم اكن اصدق انها تتحدث عن طفلها رأيت في محياها وهي تصف لي جماله الاخاذ ، فارس احلامها بل بطلا هارب من اساطير الزمان بل تصف لي يوسف النبي الجميل وما يتركه من اثر في النفس واصلت حديثها متمتمة "مهما وصفت لك لن اوفيه حقه انه ملاك يا اماني" ملاك في هيئة بشر استكتروه عليا اخدوه مني ما ودعته ولا حطيته بحضني ذي الامهات ولا ذغردت ولا غنيت ولا صرخت ولا بعرف هو تذكرني لما مات ولا كيف مات ومتى مات..قالولي استشهد وبس واستني واستنيت ايام وليالي جابولي اواعيه و بس ورقة مكتوب فيها اسمه بخط ايده خط ابني بعرفه لما كان يجيبلي ورق الامتحانات في المدرسة علامات كاملة يطلب مني حلوان يا ريته ظل عايش وانا اجيبله كل اللي بتمناه حتى لو يطلب عمري والله وهنا اقسمت من جوف قلبها الحاني انها الام يا سادة تعجز الحروف عابثة امام حبها لطفلها في وصف هذا الشعور ..
تتحدث ليس قهرا بل حسرة تملأ جوفها مرارة وعيون جاحظة تغرقها الدموع وتساؤل اصبح اكبر من السماء التي تحيط بنا احنا ليه بيصير فينا هيك؟؟
هذا السؤال يفتح ابواب كثيرة للتداول جميعنا لا اجابة نعرفها امام الصفعات التي تلقيناها في هذا الطوفان.
تقول لي مواصلة بحديثها وانا يغمرني الصمت ليس ترفا للاستماع بل للهروب الى مآساة جديدة ادفن فيها حزني وافتح بابا للبكاء
تحدثني ، في نزوح خانيونس الاخير خرج طفلي الذي كان يعمل لا اعرف أين غير انه كان يدافع عن الوطن ويقاوم الاعداء بيقولوا فدائي صار وغاب طويلا الى يومنا هذا .
طال النزوح واستغول المحتل حتى حاصر مدينة خانيونس جميعها بعد ان دمر رفح بكاملها وجميعنا قيد النزوح في مواصي الجنوب والوسطى ودير البلح...
ابتعدنا عن ديارنا مكرهين ونحن نعلم اننا لن نعود اليها الا اموات او ان بيوتنا تموت ندا لنا .
تقول لي بصوت مختنق لقد فقدت مجموعته كاملة بعد ان حوصرت لايام طوال ولان طفلي لازال صغيرا لم يتجاوز الثامنة عشر طلبت منه قيادته العليا ان يعود الينا لان لا مكان يؤيه ولم يعد هناك من يلقي له بالاوامر العسكرية فجميعهم تحت قيد الاختفاء ولانه كان حنونا جدا خاف علينا ان ينال شر الاعداء منا فقرر عدم الاستسلام وان يجابه الموت وحده لقد كان يشعر بالمسؤلية اتجاهنا جميعا...
ظل طوال الشهور الماضية ينتقل من مكان الى مكان جائعا عطشا قلقا خائفا يشعر بالبرد والحيرة والرعب والحزن وحيدا في بيوت لا يعرفها واماكن لا حياة فيها ربما كان يترقبنا من بعيد مطمئنا اننا سنكون بخير بعيدا عنه...لا اعلم في اي الايام الماضية غادر الحياة وكيف غادرها ولكني اعلم ان طفلي كان اكبر من كل القيادات ولم يستطيع ان يكون يوما عابثا بحياه اي منا....
هكذا تموت الابطال في الميدان تائهة وجائعة واصحاب الاذناب الطويلة.يلهون في ردهات الفنادق تحت طائلة التفاوض والاستثمار....
