مأزقِ النظامِ الدولي ومأساةِ فلسطين ...!

تابعنا على:   15:29 2025-12-18

د عبد الرحيم محمود جاموس

أمد/ لم يعد مأزق النظام الدولي مسألةً نظرية أو سجالًا فكريًا بين مدارس السياسة والعلاقات الدولية، بل حقيقةً صارخة تتجلّى يوميًا في عجز هذا النظام عن حماية المبادئ التي أُنشئ من أجلها: السلم، والعدل، وكرامة الإنسان. فما يحكم العلاقات بين الدول والشعوب، وحتى داخل المجتمعات نفسها، هو منطق القوّة والمصالح، لا منطق العقل ولا سيادة القانون.
هنا تحديدًا يبدأ الانهيار: حين تصبح القوّة معيار الحق، وتتحوّل القوانين إلى أدوات انتقائية تُستدعى أو تُعطَّل وفق هوية الفاعل ومكانته في هرم النفوذ الدولي.
هذا الواقع يطرح سؤالًا قانونيًا وأخلاقيًا وسياسيًا في آنٍ واحد: كيف يحمي الضعفاء حقوقهم في نظامٍ لا يعترف إلا بالأقوياء؟
وكيف يستردّ من جُرِّد من إنسانيته كرامته، إذا كانت المؤسسات التي أُنشئت لحمايته عاجزة أو مُعطَّلة أو خاضعة لإرادة القوى الكبرى؟
إن الضعفاء، في هذا السياق، لا يُحرَمون فقط من حقوقهم، بل يُطالَبون بالصمت، ويُدان فعلهم إن طالبوا بالعدالة، وتُجرَّم مقاومتهم بوصفها خروجًا على “النظام”، فيما يُشرعن العنف حين يصدر عن القوي تحت عناوين الأمن والدفاع عن النفس.
حين يُفرَّغ القانون الدولي من مضمونه الإلزامي، وتُشلّ آليات المحاسبة، لا تعود الحروب استثناءً، بل تصبح نتيجة طبيعية، الأزمات تتكاثر، والفوضى تتسع، وشريعة الغاب تعود في صيغة حديثة، تُدار عبر الفيتو، والتحالفات العسكرية، والهيمنة الاقتصادية.
المشكلة ليست في غياب القواعد، بل في غياب العدالة في تطبيقها، وفي سقوط مبدأ المساواة بين الدول والشعوب أمام القانون الدولي، وهو المبدأ الجوهري الذي لا يقوم نظام قانوني بدونه.
في هذا الإطار، تبرز مأساة فلسطين بوصفها النموذج الأكثر اكتمالًا لانكشاف هذا الفشل البنيوي.
شعبٌ واقع تحت الاحتلال منذ أكثر من سبعة عقود، تُنتهك حقوقه الأساسية بشكل ممنهج: احتلال، استيطان، حصار، تهجير، قتل خارج إطار القانون، وتدمير ممنهج للبنية الحياتية.
ومع ذلك، تُعطَّل عشرات القرارات الصادرة عن الأمم المتحدة، وتُفرَّغ اتفاقيات جنيف من مضمونها، وتغيب المساءلة، وكأن القانون الدولي لا يسري إلا على فئة دون أخرى.
القضية الفلسطينية لم تعد فقط قضية شعبٍ محتل، بل تحوّلت إلى اختبارٍ شامل لمصداقية النظام الدولي نفسه.
فحين تعجز المؤسسات الأممية عن فرض قراراتها، وحين تُستخدم حقوق الإنسان كأداة سياسية انتقائية، يصبح الحديث عن “نظام عالمي قائم على القواعد” ادعاءً بلا أساس.
المفارقة المؤلمة أن الشعب الفلسطيني، رغم صبره وعزيمته وتضحياته الهائلة، لا يُكافَأ بالإنصاف، بل يُطالَب بالمزيد من الأدلة على معاناته، وكأن إنسانيته موضع شك دائم.
من الناحية القانونية، فإن استمرار الاحتلال وجرائمه يشكّل انتهاكًا صارخًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، ولقواعد آمرة لا يجوز تعطيلها أو التذرّع بالمصالح لتجاوزها.
ومن الناحية الأخلاقية، فإن الصمت الدولي، أو التواطؤ، أو الازدواجية، يمثّل سقوطًا مدويًا للضمير الإنساني الجمعي.
أما سياسيًا، فإن هذا النهج لا يُنتج استقرارًا، بل يراكم أسباب الانفجار، لأن الظلم المستدام لا يصنع سلامًا، بل يولّد مقاومة بأشكالها المختلفة، ويُغذّي دوّامات العنف وعدم اليقين.
إن الفلسفة التي تقوم على إخضاع القانون للقوّة، لا القوّة للقانون، هي فلسفة قصيرة النظر، محكومة بالفشل، قد تفرض أمرًا واقعًا مؤقتًا، لكنها تُقوّض أسس السلم الدولي على المدى البعيد.
فالأمن لا يُبنى على إنكار الحقوق، والاستقرار لا يُصان بالقمع، والنظام الدولي لا يستقيم ما دام عاجزًا عن إنصاف الضحايا ومحاسبة الجناة دون تمييز.
إن الرسالة الجوهرية التي يفرضها هذا الواقع، على جميع المستويات—السياسية والقانونية والأخلاقية—هي أن استمرار مأزق النظام الدولي لم يعد خطرًا على الشعوب المظلومة وحدها، بل على النظام العالمي برمّته.
فحين يفقد القانون هيبته، وتفقد العدالة معناها، يصبح العالم أكثر هشاشة، وأكثر عرضة للانفجار الشامل.
إن فلسطين، بما تختزنه من مأساةٍ ممتدة وصمودٍ استثنائي، ليست استثناءً في التاريخ، لكنها اليوم المرآة الأوضح لانهيار الادّعاء الإنساني حين ينفصل عن العدل، وهي، في الوقت ذاته، نداءٌ مفتوح لإعادة الاعتبار لمنظومة دولية عادلة، تُخضع القوّة للقانون، وتعيد للعدالة معناها، وللإنسان كرامته، قبل أن يتحوّل الفشل القائم إلى فوضى لا يمكن السيطرة عليها.

اخر الأخبار