كشف المستور… والحساب قادم

تابعنا على:   15:32 2025-12-18

شرين الناجي

أمد/ في زمنٍ تتكاثر فيه الأقنعة، وتُدار فيه الشؤون العامة خلف الأبواب المغلقة، يصبح كشف المستور واجبًا أخلاقيًا قبل أن يكون فعلًا سياسيًا أو إعلاميًا. فالصمت لم يعد حيادًا، والتغاضي لم يعد حكمة، بل مشاركة غير مباشرة في إدامة الخلل وتكريس الظلم.
لقد اعتاد كثيرون على إدارة الملفات الحساسة بمنطق التسويات المؤقتة، وتأجيل المواجهة مع الحقيقة بحجة “الظرف” و”المصلحة العامة”. لكن التجربة أثبتت أن ما يُخفى اليوم يعود غدًا أكثر تعقيدًا، وأن الحساب المؤجّل لا يسقط، بل يتراكم. فالتاريخ لا ينسى، والشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى من خان الأمانة أو تلاعب بالثقة.
كشف المستور لا يعني التشهير، ولا تصفية الحسابات الشخصية، بل إعلاء قيمة الحقيقة، ووضع الوقائع أمام الرأي العام بموضوعية ومسؤولية. هو دعوة للمساءلة، لا للانتقام؛ وللإصلاح، لا للهدم. فالدول والمجتمعات لا تُبنى على المجاملات، بل على الشفافية، وسيادة القانون، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
إن أخطر ما تواجهه أي منظومة سياسية أو إدارية هو تحوّل الخطأ إلى نمط، والفساد إلى ثقافة، والاستثناء إلى قاعدة. حينها يصبح كشف المستور ضرورة وجودية، لأن بقاء الأمور في الظل يعني استمرار النزيف، وضياع الحقوق، وانهيار الثقة بين المواطن ومؤسسات يفترض أنها وُجدت لخدمته لا للتحكم به.
الحساب قادم، ليس تهديدًا، بل حقيقة قانونية وتاريخية. حساب أمام الضمير أولًا، ثم أمام الناس، وأخيرًا أمام العدالة مهما طال الزمن. قد تتغير الوجوه، وقد تُبدّل المواقع، لكن الوقائع تبقى، والوثائق لا تحترق، والشهادات لا تموت.
من هنا، فإن المرحلة القادمة تتطلب شجاعة في المكاشفة، وجرأة في الاعتراف بالأخطاء، وإرادة حقيقية في التصحيح. فلا نهضة بلا حقيقة، ولا إصلاح بلا مساءلة، ولا مستقبل يُبنى على رمال الإخفاء.
كشف المستور ليس خيارًا ترفيًا، بل شرطًا للإنقاذ.
والحساب… قادم لا محالة.

اخر الأخبار