مروان البرغوثي: القيادة الكاريزمية، الوحدة الوطنية، وإعادة بناء المعنى السياسي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي
د. صالح الشقباوي
أمد/ يمثل القائد الأسير مروان البرغوثي إحدى أبرز الظواهر السياسية في التاريخ الفلسطيني المعاصر، ليس فقط بوصفه أسيراً في سجون الاحتلال، بل باعتباره مشروع قيادة وطنية شاملة تعطّل بفعل الاعتقال، وتخشى إسرائيل تحققه لما يحمله من قدرة على إعادة توحيد الفلسطينيين، وترميم الشرعية الوطنية، وإعادة تعريف الصراع بوصفه صراع حقوق ووجود لا صراع إدارة أمنية.
أولاً: مروان البرغوثي والقيادة الكاريزمية
يمكن مقاربة شخصية مروان البرغوثي من خلال مفهوم القيادة الكاريزمية عند ماكس فيبر، حيث تستمد القيادة مشروعيتها من:
التفاف الجماهير،
الاستعداد للتضحية،
والقدرة على تمثيل الوعي الجمعي.
فالبرغوثي، رغم الأسر، حافظ على حضوره السياسي والرمزي، وتحول إلى قائد ابن المؤسسة و داخل الوجدان الوطني، على نحو يذكّر بتجربة ياسر عرفات في مرحلتها التأسيسية، حيث كانت القيادة تُنتج وحدتها من الشارع لا من البيروقراطية.
ثانياً: الرؤية السياسية لمروان البرغوثي
تنطلق رؤية مروان البرغوثي من فهم بنيوي للصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، يقوم على:
الاعتراف بأن الصراع صراع تحرر وطني ضد استعمار استيطاني.
التمسك بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.
الجمع بين المقاومة الشعبية والعمل السياسي ضمن استراتيجية وطنية موحدة.
رفض تحويل الانقسام إلى بنية دائمة في النظام السياسي الفلسطيني.
هذه الرؤية تلتقي مع أطروحات فرانز فانون التي ترى أن التحرر الحقيقي يبدأ باستعادة الإنسان لفاعليته التاريخية، لا بالاكتفاء بتسويات ناقصة.
ثالثاً: مروان البرغوثي والوحدة الوطنية
يمثل مروان البرغوثي نقطة تقاطع نادرة بين مختلف مكونات الشعب الفلسطيني:
بين فتح وحماس وبقية الفصائل،
بين الضفة وغزة،
بين الداخل والشتات.
وهو ما يجعله القائد الأقدر على إعادة بناء العقد الوطني الفلسطيني على أساس الإرادة العامة (جان جاك روسو)، لا على أساس موازين القوى الفصائلية.
إن الإفراج عنه يشكل لحظة سياسية تأسيسية قادرة على إنهاء حالة التفتت، وإعادة الاعتبار لفكرة الوطن الواحد والقرار الواحد.
رابعاً: لماذا ترفض إسرائيل الإفراج عن مروان البرغوثي؟
ترفض الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، وخصوصاً تيار اليمين الصهيوني المتطرف، الإفراج عن مروان البرغوثي لأنها تدرك أن:
وجوده الحر يسقط مقولة “لا يوجد شريك فلسطيني”.
قدرته على الجمع بين الشرعية الشعبية والواقعية السياسية تشكل تهديداً استراتيجياً.
إطلاق سراحه يعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية في مواجهة الرواية الصهيونية.
وفق تحليل ميشيل فوكو، فإن السلطة لا تخشى الأجساد بقدر ما تخشى الخطابات القادرة على إعادة إنتاج الحقيقة، ومروان يمثل هذا الخطر الرمزي.
خامساً: مروان البرغوثي والرواية الفلسطينية
يشكل مروان البرغوثي أحد أبرز حماة الرواية الفلسطينية المعاصرة، بوصفه:
شاهداً على النكبة الممتدة،
وممثلاً لجيل واجه الاحتلال بالسجن لا بالهجرة،
وقادراً على تفكيك السردية الصهيونية التي تنكر جريمة النكبة، وتدمير القرى، والقتل، والتهجير.
إن حضوره السياسي يعيد تثبيت الصراع كسؤال أخلاقي وتاريخي، لا كملف أمني.
سادساً: دور فدوى البرغوثي في معركة الحرية
بعيداً عن جدلية القيادة والرمزية الوطنية، يبرز دور فدوى البرغوثي في إطار مختلف ومكمل، يتمثل في:
النضال الحقوقي والقانوني من أجل إطلاق سراح مروان،
نقل قضيته إلى المحافل الدولية،
فضح الطابع السياسي لمحاكم الاحتلال،
وتحويل قضيته إلى قضية رأي عام عالمي.
لقد أدت فدوى دوراً محورياً في كسر العزلة التي حاول الاحتلال فرضها على مروان، وأسهمت في حماية قضيته من التهميش والنسيان، دون أن تحل محل القيادة السياسية أو الرمز الوطني الذي يمثله هو.
خاتمة: الإفراج عن مروان البرغوثي كضرورة تاريخية
إن إطلاق سراح القائد مروان البرغوثي ليس مطلباً إنسانياً فحسب، بل ضرورة سياسية وتاريخية:
للفلسطينيين من أجل إعادة بناء وحدتهم وشرعيتهم،
ولإسرائيل من أجل الانتقال من منطق القوة العارية إلى أفق حل سياسي حقيقي.
فمروان هو القائد القادر على جمع الشعب الفلسطيني حول مشروع وطني جامع، وضبط الصراع باتجاه الإجماع والسلام العادل، لا الاستسلام ولا الفوضى.
المراجع (مختارة)
ماكس فيبر – الاقتصاد والمجتمع
فرانز فانون – معذبو الأرض
ميشيل فوكو – Power/Knowledge
جان جاك روسو – العقد الاجتماعي
إدوارد سعيد – مسألة فلسطين
راشد الخالدي – الهوية الفلسطينية:
