بين الخطاب والقرار: من أبقى حماس حاكمة في غزة
سامي إبراهيم فودة
أمد/ على مدى عامين كاملين من الحرب، لم تتوقف التصريحات الأميركية، وعلى رأسها تصريحات دونالد ترامب، عن الحديث عن “اليوم التالي”، وعن ضرورة نزع سلاح حماس وإنهاء حكمها في غزة.
غير أن الواقع، بعد كل هذا الزمن وكل هذا الدمار، يطرح سؤالًا لا يمكن تجاهله:
إذا كان الهدف المعلن هو إنهاء حكم حماس، فلماذا ما زالت تحكم غزة كأمر واقع حتى اليوم؟
المثل الشعبي يلخص المشهد بدقة مؤلمة:
“اسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أستغرب.”
أولًا: إن كان الهدف نزع السلاح… فالطريق كان واضحًا
لو كانت هناك إرادة سياسية حقيقية لنزع سلاح حماس، لكانت الأدوات مختلفة تمامًا عن مسار الحرب المفتوحة:
إعلان الحركة تنظيمًا إرهابيًا داخل الأراضي الفلسطينية، كما جرى مع تنظيمات أخرى في دول مختلفة.
تجفيف شامل لمنابع التمويل، عبر ملاحقة الأفراد والمؤسسات ومصادرة الأصول.
الضغط القانوني والدبلوماسي على الدول التي تستضيف قيادات الحركة لتسليمهم عبر القنوات الدولية.
هذه أدوات سياسية وقانونية معروفة، استُخدمت في ملفات عديدة، لكنها غابت هنا، لصالح خطاب عسكري طويل بلا أفق.
ثانيًا: حرب بلا قرار… وحكم يتكرس
الحروب وحدها لا تُسقط أنظمة حكم عقائدية، ما لم تُستكمل بقرار سياسي واضح وبديل جاهز.
وما جرى خلال العامين الماضيين لم يكن خطة لإنهاء حكم حماس، بل إدارة صراع طويلة سمحت ببقاء الحركة حاكمة بحكم الأمر الواقع.
فغياب البديل، وترك فراغ إداري وأمني، مكّن حماس من:
تثبيت سيطرتها الداخلية،
وإدارة غزة بالقوة،
وتقديم نفسها، رغم كل شيء، كسلطة قائمة لا بديل عنها.
وهكذا، ساهمت الحرب الطويلة،
في إبقاء الواقع الذي يُقال إن الهدف هو إنهاؤه.
ثالثًا: الحكم بالقوة… والناس وحدهم يدفعون الثمن
في ظل هذا الواقع، لم يكن المتضرر الحقيقي هو التنظيم، بل المجتمع الغزي نفسه.
فخلال هذه المرحلة، ترسخ حكم الأمر الواقع، ورافقه ممارسات قاسية، من بينها:
إعدامات ميدانية بحق أفراد من عائلات مختلفة دون مسارات قضائية واضحة.
اعتداءات وخطف وتكسير بحق معارضين أو مشتبهين.
فرض ضرائب وإتاوات على تجار وباعة منهكين أصلًا من الحصار والحرب.
تحميل الناس أعباءً إضافية تحت ذريعة “الظروف الأمنية”.
كل ذلك جرى بينما كان الخطاب الدولي يركز على القصف والتصعيد، لا على حماية المدنيين أو كسر منظومة الحكم القسري.
رابعًا: التهديد بالتدمير… من سيدفع الثمن؟
حين يُقال إن البديل عن نزع السلاح هو “تدمير حماس”، فإن التجربة تقول بوضوح:
التنظيمات لا تُدمَّر بالقصف وحده.
المجتمعات هي التي تُستنزف وتُكسر.
وكل جولة عنف جديدة تُعيد إنتاج الصراع بدل إنهائه.
فإذا كان الهدف حقًا هو الأمن والاستقرار، فإن تدمير ما تبقى من غزة لن يحقق ذلك، بل سيعمّق الجرح، ويؤجل الحل.
خامسًا: بين الكلام والفعل
يا ترامب، سمعنا كثيرًا عن “اليوم التالي”،
لكن اليوم التالي لا يُبنى بالتصريحات ولا بالتهديدات، بل:
بخطة سياسية واضحة،
وبقرارات قانونية منسجمة،
وببديل يحمي الناس قبل أن يعاقب التنظيمات.
أما الاستمرار في الخطاب العالي بعد عامين من الحرب، دون تغيير جوهري في الأدوات، فلن يُقنع عقلًا، ولن يُنهي واقعًا.
خاتمة
إن أخطر ما في هذا المشهد ليس بقاء تنظيم مسلح،
بل تحويل الفوضى والمعاناة إلى سياسة دائمة.
فحين تُترك المجتمعات بين حرب لا تنتهي وحكم يُفرض بالقوة، يصبح المدنيون وقودًا للصراع، لا طرفًا فيه.
وإن كان الهدف فعلًا إنهاء حكم حماس، فالطريق لا يمر عبر أنقاض البيوت،
بل عبر قرارات شجاعة، عادلة، ومتسقة مع ما يُقال على المنابر.
وإلى أن يحدث ذلك، سيبقى المثل الشعبي أصدق من كل الخطب:
“اسمع كلامك أصدقك، أشوف أفعالك أستغرب.”
