مستقبل المجتمع المدني العراقي بين أزمة التمويل والاستقلالية

تابعنا على:   14:16 2026-01-23

كمال الجبوري

أمد/ خلال العقدين الماضيين، شهد المجتمع المدني العراقي ازدهارًا نسبيًا بفضل الدعم الدولي، حيث لعبت المنظمات غير الحكومية دورًا محوريًا في تعزيز الديمقراطية، وتمكين الفئات المهمشة، والدفاع عن الحقوق المدنية. ومع ذلك، يواجه هذا القطاع اليوم تحديات كبيرة بسبب تقلص التمويل الدولي، مما يضع المنظمات أمام خيارات صعبة تتعلق بالاستمرارية والاستقلالية.  

بدأت وتيرة التراجع في التمويل منذ عام 2020، متأثرة بعوامل عدة، أبرزها:  

1. الأزمات العالمية: مثل جائحة كورونا التي دفعت الدول المانحة للتركيز على شؤونها الداخلية، ثم الحرب الروسية الأوكرانية التي غيرت أولويات الدعم الدولي.  

2. الوضع الاقتصادي العراقي: حيث أصبح العراق يُنظر إليه كدولة غنية بفضل احتياطاته المالية وارتفاع أسعار النفط، مما دفع المانحين للاعتقاد بأن الحكومة العراقية قادرة على تمويل المبادرات التنموية دون الحاجة للدعم الخارجي.  

3. الفساد وسوء الإدارة: إذ تسببت معدلات الفساد المرتفعة في فقدان ثقة المجتمع الدولي بقدرة المؤسسات العراقية على توظيف الدعم الدولي بشكل فعال.  

 تأثير تراجع التمويل على المجتمع المدني 

تقلص الدعم الدولي انعكس سلبًا على قدرة المنظمات غير الحكومية في العراق على تنفيذ مشاريعها، خاصة تلك التي تركز على التنمية المستدامة، وليس فقط المساعدات الإنسانية قصيرة الأمد. فعلى سبيل المثال، يواجه "صندوق الدعم الإنساني العراقي (IHF)" أزمة تمويلية حادة، حيث لم يتم تأمين سوى جزء ضئيل من الموارد اللازمة لعام 2024، مما يهدد المشاريع المتعلقة بدعم النازحين، وحقوق الإنسان، والتنمية الاجتماعية.  

كما أن الفجوة التمويلية الكبيرة التي تعاني منها المنظمات الدولية، مثل "المنظمة الدولية للهجرة"، أدت إلى تراجع الاستجابة للأزمات الإنسانية، وهو ما يجعل الفئات الأكثر ضعفًا كالنازحين والنساء والأقليات في مواجهة ظروف أكثر قسوة.  

التمويل المحلي: البديل الممكن؟

  أمام هذا التحدي، يصبح البحث عن مصادر تمويل محلية أمرًا ضروريًا لبقاء المجتمع المدني العراقي. لكن المشكلة أن القطاع الخاص، الذي يُفترض أن يكون شريكًا رئيسيًا في دعم المبادرات المدنية، لا يزال يعاني من استقطاب سياسي وتحكم من الأحزاب المتنفذة. وبدلًا من أن يكون شريكًا مستقلاً، أصبح في كثير من الأحيان أداة بيد القوى السياسية لتمويل أجنداتها الخاصة.  

ومع ذلك، يمكن التفكير في استراتيجيات بديلة لضمان الاستدامة المالية للمنظمات غير الحكومية، من بينها:  

1. تشجيع ثقافة التبرع والعمل الخيري المحلي، من خلال مبادرات تحفز الأفراد والشركات على دعم المشاريع الاجتماعية.  

2. تنويع مصادر التمويل، عبر الاشتراكات، ورسوم الخدمات، والشراكات مع القطاع الخاص، لضمان استقلالية أكبر عن التمويل الحكومي أو السياسي.  

3. تعزيز الشراكات الدولية الذكية، بحيث تبقى المنظمات المحلية على اتصال بالمانحين الدوليين، حتى لو تغيرت طبيعة التمويل من دعم مالي مباشر إلى شراكات استشارية وتقنية.  

 تأثير السياسة على المجتمع المدني  

لا يمكن فصل أزمة المجتمع المدني عن المشهد السياسي العام في العراق، حيث تتبنى الأحزاب السياسية الكبرى سياسات تُضعف دور المنظمات المستقلة، سواء عبر تقليل فرص التمويل، أو من خلال تأسيس منظمات تابعة لها، مما يُفقد القطاع المدني استقلاليته.  

لقد تحول العديد من منظمات المجتمع المدني إلى أدوات بيد الأحزاب السياسية أو واجهات لمصالح تجارية، بدلاً من أن تكون قوى ضغط مستقلة تسهم في تعزيز الشفافية والديمقراطية. كما أن سياسات الدولة المركزية تساهم في تقييد حرية هذه المنظمات، سواء من خلال القوانين التنظيمية، أو عبر تضييق فرص التمويل الخارجي، مما يعزز مناخًا لا يخدم إلا القوى الحاكمة.  

نحو نموذج أكثر استدامة

  في ظل هذه الظروف، يحتاج المجتمع المدني العراقي إلى إعادة هيكلة استراتيجيته لضمان الاستمرار والاستقلالية. من الضروري التفكير في نموذج تمويلي محلي مستدام، وتعزيز الشراكات الذكية مع القطاع الخاص، إضافة إلى الضغط من أجل بيئة قانونية أكثر انفتاحًا تدعم العمل المدني.  

إذا استمرت الأوضاع على ما هي عليه، فإن العديد من المنظمات ستختفي، وما سيبقى منها سيكون خاضعًا لسلطة القوى السياسية، مما يفقدها مصداقيتها كجهة مستقلة تمثل المواطنين. والمفارقة أن اختفاء المجتمع المدني سيؤثر سلبًا حتى على النظام السياسي نفسه، لأن الديمقراطية لا يمكن أن تنمو في غياب منظمات مدنية قوية قادرة على الدفاع عن الحريات، ومراقبة أداء السلطة، وتمكين الفئات المهمشة.  

و يبقى السؤال: هل يمكن للمجتمع المدني العراقي أن ينجو من أزمة التمويل، أم أن هذه الأزمة ستعيد تشكيله وفق أجندات القوى المتنفذة، لتصبح منظماته مجرد أدوات في لعبة سياسية لا تخدم تطلعات المواطنين؟

اخر الأخبار