حين يتحوّل الإعلام إلى عبء على الضحية

تابعنا على:   15:01 2026-02-07

اياد عبد الجواد الدريملي

أمد/ منذ اندلاع الحرب على قطاع غزة في أكتوبر 2023، يعيش المجتمع الغزي واحدة من أقسى التجارب الإنسانية في العصر الحديث
حرب إبادة، وحصار خانق، ونزوح متكرر، وجوع، وفقدان، وانهيار شامل في البنية النفسية و الاجتماعية.
في مثل هذا السياق يفترض بالإعلام أن يكون مساحة حماية للضحية، لا ساحة إضافية لمحاكمتها.

إلا أن استمرار بعض المنصات الإعلامية، وعلى رأسها قناة الجزيرة، في إنتاج أفلام ووثائقيات يقودها صحفيون بارزون، يثير تساؤلات أخلاقية ومهنية عميقة خصوصاً مع تكرار تصوير المجتمع الغزي تارة بوصفه مجتمع جريمة وتارة بالتخابر وتارة بالسقوط، وكأننا أمام مجتمع فاقد للأهلية الأخلاقية والهوية الوطنية، لا شعباً يتعرّض لإبادة جماعية.

ما يغفله هذا الخطاب الإعلامي أو يتجاهله عمداً هو السياق النفسي والاجتماعي فحسب تقارير دولية متعددة، يعيش سكان قطاع غزة تحت صدمة مستمرة، ويقاتلون من أجل البقاء لا من أجل السياسة كونهم بشر خرجوا من تحت الركام، لا من غرف التحليل السياسي.

الحديث عن كيف تسقط إسرائيل المتعاونين من سكان قطاع غزة دون وضع هذا العنوان في سياق الصدمة والإكراه والاستغلال والفقر والجوع والتهديد المباشر للحياة هو تبسيط مخلّ بل إدانة أخلاقية غير عادلة في السياق الإعلامي.

الخطر في مضمون هذه الوثائقيات لا يكمن في كشف أساليب الاحتلال فهذه باتت معروفة بل تكمن في تحويل الضحية إلى موضع شبهة دائم، أي نقلها من موقع الضحية إلى موقع المتهم، بما يفاقم الضغط والإجهاد النفسي والاجتماعي، ويغيب الحقيقة الجوهرية.

فالرسالة الضمنية التي تصل إلى الجمهور العربي والدولي هي أن السكان متهمون حتى يثبت العكس وهو ما يناقض تعريف الضحية ذاته.

وهنا لا يعد الإعلام أداة وعي، بل يتحول بقصد أو دون قصد إلى جزء من منظومة الضغط النفسي والاجتماعي المفروضة على مجتمع محاصر، منهك، مجروح، مهدد بالتهجير، ومحاط ببيئة طاردة ومستقبل مجهول.

حتى الآن، لم يمتلك أحد #الشجاعة ليقول الحقيقة كاملة بأن سكان قطاع غزة باتوا #ضحايا متعددة الطبقات ضحايا الاحتلال وضحايا الانقسام السياسي والجغرافي،وضحايا الفقر و الحصار، وضحايا خطاب إعلامي لا يرى فيهم سوى مادة أو قصة مثيرة يسعي خلفها ابطال المنصات والشاشات.

فالطواقم التي تنتج هذه المواد، وتتنافس على العناوين اللامعة، تغادر غزة بعد التصوير، بينما يبقى المواطن جائعاً عطِشاً نازحاً يعيش في خيمة مهترئة في برد قاسٍ ويدفع ثمن السردية الإعلامية مرتين مرة بالقصف، ومرة بالتشويه والنيل من كرامته.

إن اتهام الغزيين مراراً بالتعاون مع الاحتلال، دون تمييز، ودون مساءلة للسياق، ودون حماية للكرامة الجمعية، قضية يجب أن تتوقف لأنها ببساطة، تنال من عزيمة المجتمع، وتضرب الثقة الداخلية، وتخدم بشكل غير مباشر منطق الإبادة والإنهاك والاستسلام.

فالعدو ليس فقط من يحمل السلاح ضدك،
بل أيضاً الجهل بالسياسة، والعجز عن التحول والشروع بالمعالجات، والفشل في إنقاذ المجتمع الفلسطيني من حافة الانهيار.

بيت القصي قطاع غزة لا يحتاج إعلاماً يُدينه
بل إعلاماً يفهمه ويحميه ويقف مع صموده في وجه ما يخطط له وأي خطاب إعلامي ينال من سمعة المجتمع وكرامته في ذروة الإبادة، عن قصد أو دون قصد هو تساوق مع منطق الإبادة، لا مقاومته.

اخر الأخبار