الأردن يمحو إسرائيل من الذاكرة
سامي إبراهيم فودة
أمد/ صرخة أردنية تحت قبة البرلمان تُسقط اسم إسرائيل من السجلات الرسمية
في لحظةٍ سياسية مشحونة، وتحت قبة مجلس النواب الأردني في عمّان، دوّى قرارٌ وُصف بأنه "قنبلة دبلوماسية" هزّ أروقة السياسة في المنطقة. لم يكن الأمر مجرد إجراء بروتوكولي عابر، بل إعلان موقف رمزي عميق الدلالة: حذف اسم "دولة إسرائيل" من سجلات ومداولات المجلس،
واستبداله بما يعكس توصيفًا سياسيًا ينسجم مع المزاج الشعبي الأردني.
الاقتراح الذي تقدّم به النائب هائل عياش لم يأتِ من فراغ، بل جاء مشفوعًا بخطاب حادّ قال فيه: "هذا المصطلح يمثل عدوًا لكل أردني، والعدو لا يُذكر في سجلات الشرفاء إلا بوصفه عدوًا!" كلماتٌ لم تبقَ حبيسة القاعة، بل تحوّلت إلى مانشيتاتٍ تتصدّر الصحف العربية، وتثير نقاشًا واسعًا حول حدود الرمزية السياسية وقدرتها على إعادة تعريف المصطلحات.
القرار، وإن بدا لغويًا في ظاهره، يحمل في جوهره رسالة سيادية واضحة: أن التسمية ليست تفصيلًا شكليًا، بل جزءٌ من معركة الرواية والهوية. فالدول، كما الشعوب، تُدرك أن الكلمات تصنع الوعي، وأن الاعتراف بالمصطلح هو اعترافٌ ضمنيّ بشرعيته في الذاكرة الرسمية. ومن هنا، فإن حذف الاسم لم يكن محوًا من الورق بقدر ما هو إعلان رفضٍ سياسيّ لسياسات الأمر الواقع.
وتأتي هذه الخطوة في توقيتٍ إقليمي بالغ الحساسية،
حيث تتصاعد التوترات وتُعاد صياغة التحالفات، بينما تُطرح تساؤلات حول مستقبل العلاقات الرسمية في ظل وجود معاهدة سلام قائمة بين البلدين. التقارير العبرية – وفق ما نُقل – تعاملت مع القرار بوصفه تصعيدًا غير مسبوق من مؤسسة تشريعية في دولة ترتبط باتفاقية رسمية،
ما يفتح الباب أمام تأويلاتٍ تتجاوز البعد الرمزي إلى حساباتٍ سياسية أعمق.
لكن، بعيدًا عن ردود الفعل، يبقى الأهم أن ما جرى تحت القبة الأردنية يعكس تفاعلًا بين الشارع والمؤسسة؛ بين المزاج الشعبي الذي يرى في الاحتلال خصمًا تاريخيًا، وبين برلمانٍ أراد أن يترجم هذا الشعور إلى صيغةٍ رسمية. هي لحظة تقول إن الهوية
الوطنية ليست نصًا جامدًا، بل كيانٌ يتشكّل مع كل موقف، ومع كل كلمة تُثبت أو تُمحى.
قد لا تغيّر هذه الخطوة موازين القوى على الأرض، لكنها بلا شك أعادت فتح النقاش حول معنى السيادة الرمزية، وحول قدرة البرلمانات على إعادة تعريف اللغة السياسية. فالأمم، في نهاية المطاف، لا تُقاس فقط بما توقعه من معاهدات، بل بما تحتفظ به في دفاتر ذاكرتها.
وهكذا، من قلب عمّان، ارتفعت صرخة سياسية تقول إن الكرامة ليست شعارًا، وإن الكلمة قد تكون أحيانًا أشد وقعًا من القرار العسكري. إنها رسالة مفادها أن الشعوب، حين تضيق بها المصطلحات المفروضة، تعيد كتابة معجمها بمداد الإرادة.
