صغار على السوشيال ميديا

تابعنا على:   14:21 2026-03-11

د. محمدأبوسعدة

أمد/ في خضم ما تعيشه غزة من محنة قاسية وحربٍ طاحنة، تطل علينا بين الحين والآخر أصوات على منصات التواصل الاجتماعي؛ أصواتٌ أقلّ ما يمكن وصفها بالصِّغَر، وإن كان أصحابها يحرصون على تقديم أنفسهم بصفاتٍ عنترية وخطابٍ صاخب لا ينسجم مع حجم المأساة التي يعيشها الناس.

إن ما يربطنا بأمتنا العربية ليس مجرد شعارات عابرة، بل هو رابط إنساني وأخلاقي وديني عميق، تشكّل عبر سنوات طويلة من المواقف الصادقة والدعم المتواصل. فمن عاش في غزة يعرف جيدًا أن كثيرًا من معالم الحياة فيها قامت بفضل دعمٍ عربي كريم. فالحيّ السعودي، والحيّ الإماراتي، ومدينة حمد، والمستشفى الكويتي، وغيرها من المشاريع، لم تكن مجرد أسماء على لافتات، بل كانت بيوتًا احتضنت عائلات، وأماكن عاش فيها الناس وصنعوا فيها أجمل ذكرياتهم.

وليس خافيًا على أحد أن للمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت أيادي بيضاء في دعم الشعب الفلسطيني عمومًا وغزة على وجه الخصوص. فقد وقفت هذه الدول الشقيقة، قيادةً وشعبًا، إلى جانب أهل غزة في أوقات الشدة، وقدّمت الدعم الإنساني والإغاثي ومشاريع الإسكان والإعمار، في صورةٍ تعكس أصالة الموقف العربي وقيم الأخوة الصادقة.

فالجهود السعودية والإماراتية في دعم المشاريع الإنسانية والإغاثية كانت حاضرة عبر سنوات طويلة، كما كان لدولة قطر دورٌ بارز في مشاريع إعادة الإعمار والبنية التحتية، بينما ظلّت الكويت مثالًا للعطاء الإنساني الذي لا ينقطع، سواء عبر المؤسسات الرسمية أو المبادرات الشعبية. وكل ذلك شكّل سندًا حقيقيًا لآلاف العائلات التي وجدت في هذا الدعم بارقة أمل وسط الأزمات المتكررة.

واليوم، في ظل هذه الحرب القاسية وما خلّفته من دمار ومعاناة، لا يزال العطاء العربي حاضرًا. فالمساعدات التي تصل عبر اللجنة المصرية، ومبادرات مثل «الفارس الشهم» وغيرها، تشكّل سندًا إنسانيًا مهمًا في وقتٍ بات فيه كثير من الناس يكافحون من أجل أبسط مقومات الحياة.

ومن المؤكد أن غزة، كما نهضت بعد حروب سابقة، ستنهض من جديد بإذن الله. وسيكون للأشقاء العرب دورٌ أساسي في إعادة إعمارها، كما كان لهم دورٌ سابق في بناء كثيرٍ من مرافقها وأحيائها. فالعلاقة بين غزة وعمقها العربي لم تكن يومًا علاقة عابرة، بل علاقة تاريخٍ ومصيرٍ مشترك.

أما أولئك الذين يكتفون بالبطولات الكلامية على صفحات فيسبوك، فالأجدر بهم أن يتحلّوا بشيء من الحكمة والمسؤولية. فالمواقف الصادقة لا تُقاس بعلوّ الصوت، ولا بكثرة الشعارات، بل بالوعي والإنصاف وتقدير مواقف الآخرين.

لقد سئم الناس ضجيج الخطابات وولولة الكلمات، وهم اليوم بحاجة إلى صوت العقل والحكمة. ما يحتاجه أهل غزة ليس المزيد من الجدل، بل أن يروا بيوتًا تُبنى من جديد بعد أن دُمّرت، وأن تستعاد الحياة بعد أن صار الناس في مهلكة.

إن المرحلة اليوم تتطلب خطابًا عاقلًا ومسؤولًا يقدّر المواقف، ويجمع ولا يفرّق، ويعمل من أجل مستقبلٍ تُبنى فيه البيوت كما تُبنى الثقة بين الأشقاء. فغزة، رغم الجراح، ستبقى قادرة على النهوض، ما دام فيها أناس يؤمنون بالحكمة قبل الضجيج، وبالبناء قبل الصراخ.

اخر الأخبار