كعب أخيل في مجلس سلام غزة الفاشل
عبدالحكيم سليمان وادي
أمد/ لم يمضِ سوى أشهر قليلة على الإعلان عن "مجلس السلام" في غزة بضجة إعلامية كبيرة، حتى تحول هذا المشروع الطموح إلى مثال حي على الفشل المؤسسي المدوي. فبعد أن بدأ بهالة إعلامية كبيرة، تعثر المجلس في أداء مهمته، فلا جلب السلام إلى سكان قطاع غزة، ولا ساهم في تحسين أوضاعهم المعيشية وإبعاد شبح الجوع والأمراض عنهم. وإذا كان ثمة تشبيه يليق بهذا المجلس الهش، فهو تشبيهه بـ"كعب أخيل" الأسطوري، ذلك الجسم القوي في ظاهره والضعيف في أخطر نقطة فيه؛ فما هي نقاط الضعف القاتلة التي جعلت هذا المجلس، الذي رُفع على أنه الحل السحري لغزة، ينهار قبل أن يبدأ.
السؤال الإشكالي
كيف يمكن لهيئة دولية، حظيت بتفويض من مجلس الأمن ودعم علني من أكثر من عشرين دولة، أن تفشل في تحقيق أي من أهدافها المعلنة خلال أشهر قليلة؛ وما هي "العراقيل" الجوهرية التي مثلت كعب أخيل لهذا المشروع، وحولته من أداة سلام مفترضة إلى نموذج يُحتذى به في الفشل الإداري والسياسي في قطاع غزة.
أولاً: غموض قوة الاستقرار الدولية – التهديد الأعمق.
في صميم خطة مجلس السلام، وكما ورد في ميثاقه، توجد خطة لنشر "قوة استقرار دولية" لتأمين مناطق إعادة الإعمار في غزة. ولكن هذا العنصر بالذات مثّل كعب أخيل للمشروع برمته، حيث تظل مساهمات القوات، وقواعد الاشتباك، ورد فعل الفصائل المحلية غير محددة بشكل خطير؛وقد عبرت إحدى التحليلات عن ذلك بقولها؛ إن "الغموض المحيط بقوة الاستقرار هو كعب أخيل للمبادرة بأكملها".
فبدون وجود قوة دولية واضحة المعالم والولاء، وقادرة على توفير الأمن للكوادر الهندسية والإنسانية في غزة، سيبقى صندوق التبرع بالمليارات دولار لاعمار غزة مجمداً فعلياً. والأخطر من ذلك أن مجلس السلام لم ينجح في تأمين التزامات دولية واضحة للمشاركة في هذه القوة، مما جعل المشروع أشبه بخيمة بلا أوتاد.
ثانياً: غياب التمثيل الفلسطيني – شرعية مفقودة لعمل مجلس سلام غزة.
إذا كان ثمة خطأ جوهري صمم عليه المجلس منذ البداية، فهو استبعاد الفلسطينيين من مقعد القرار. فالمجلس، رغم تفويضه بالإشراف على إدارة غزة، لا يضم أي تمثيل فلسطيني حقيقي، بل يكتفي بالإشراف على "لجنة وطنية لإدارة غزة" تكنوقراطية فلسطينية تفتقر إلى أي سلطة حقيقية.
هذا الغياب للتمثيل الفلسطيني، كما حذر الدكتور عبدالحكيم سليمان وادي، يعني أن جهود إعادة الإعمار قد تتقدم دون معالجة القضايا السياسية الجوهرية للصراع. والأكثر إدانة هو أن دولة الاحتلال الإسرائيلي نفسها، ورئيس وزرائها بنيامين نتنياهو الذي يواجه مذكرة اعتقال دولية بتهم جرائم حرب، هي عضو في المجلس، بينما فلسطين ليست كذلك. هذا التناقض الصارخ جعل المجلس يفقد أي شرعية في عيون الفلسطينيين، الذين عبروا عن سخريتهم المريرة وهم "يتقاسمون السلام" بينما يظلون هم في الخيام الممزقة التي لا تحميهم من برد الشتاء او حرارة الشمس في الصيف.
ثالثاً: الأزمة المالية – مليارات على الورق فقط
لعل كعب أخيل الأكثر وضوحاً هو الأزمة المالية التي تعصف بالمجلس؛ فمع أن تسع دول تعهدت بتقديم سبعة مليارات دولار لحزمة "إغاثة غزة" في الاجتماع الافتتاحي للمجلس، إلا أن الإمارات العربية المتحدة والمغرب فقط هما اللتان أرسلتا الأموال فعلياً. وهذا يعني أن معظم التعهدات المالية ظلت حبراً على ورق، دون أن تترجم إلى مشاريع ملموسة على الأرض داخل قطاع غزة.
كما أن شروط العضوية الدائمة في المجلس التي تتطلب دفع مليار دولار ؛أثارت تساؤلات حول تحويل هذا الكيان الإنساني (المجلس ) إلى نادٍ حصري للأثرياء. وقد عبرت بعض الدول، مثل السعودية والكويت، عن تحفظاتها بالإشارة إلى أن تبرعاتها ستُصرف على مدى سنوات وليس دفعة واحدة، مما يعكس عدم ثقة حقيقي في قدرة المجلس على إدارة الأموال بشفافية واستخدامها في اعادة إعمار غزة.
رابعاً: غياب الرقابة والشفافية هي الطريق إلى الإفلات من العقاب.
كشفت وثائق مسربة موخراً بتاريخ 27-6-2026,حصلت عليها صحيفة "الجارديان" عن نية المجلس منح نفسه حصانة قانونية شاملة، تمتد لتشمل أعضاءه وقواته ومقاوليه، مع صلاحية الاستحواذ على الممتلكات العامة في غزة "مجاناً". هذا المشروع، الذي يمنح الرئيس ترامب صلاحية رفع الحصانة عن أي شخص، أثار مخاوف جدية من أن المجلس يسعى إلى خلق نظام قانوني منعزل لا رقابة عليه يتجاوز الصلاحيات التنفيذية التي منحها له مجلس الأمن الدولي.
وقد عبر عدة خبراء في القانون الدولي عن قلقهم من أن المسودة التي "تبدو كمحاولة لإعفاء المجلس وجميع العاملين فيه من المساءلة عن أي انتهاكات قانونية محتملة". هذا الإفلات من العقاب ليس مجرد ثغرة قانونية، بل هو (كعب أخيل أخلاقي)، يقوض أي ادعاء بأن المجلس يمثل قوة للخير والسلام في قطاع غزة.
خامساً: تحول كارثي من هيئة دولية إلى منظمة غير حكومية تخضع لشخص واحد.
في تطور يكشف عن عمق الفشل، أعلن وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو أن الإدارة قررت تحويل مجلس السلام من هيئة دولية عامة (تشبه الأمم المتحدة) إلى منظمة غير حكومية دولية تخضع لرئاسة دونالد ترامب. هذا التحول، الذي جاء بعد أقل من ستة أشهر على إنشاء المجلس، يعكس اعترافاً ضمنياً بأن المشروع فشل في تحقيق أي من أهدافه منذ البداية.
والأخطر من ذلك، كما يحذر المحللون في مؤسسة "كارنيغي"، أن هذا التحول يهدف إلى تجنب الرقابة الكونغرسية وإبقاء الكثير من أنشطة المجلس في ظل من الغموض. وهذا يعني أن المجلس، الذي كان يُفترض أن يكون نموذجاً للشفافية الدولية، أصبح أداة معتمة تفلت من أي مساءلة قانونية.
سادساً: استمرار العنف وتدهور الأوضاع الإنسانية في قطاع غزة.
ربما يكون الدليل الأكثر إدانة على فشل المجلس هو استمرار العنف وتدهور الأوضاع الإنسانية في غزة. فمنذ بدء وقف إطلاق النار، قُتل أكثر من 1000 فلسطيني، بينهم أكثر من 200 طفل في قطاع غزة؛ والمجلس، بدلاً من أن يكون قوة للاستقرار، يلقي باللوم على حماس لتعطيل التقدم، بينما تتهم وكالات الإغاثة إسرائيل بمواصلة عرقلة دخول المساعدات.
وقد حذر الممثل السامي للمجلس، نيكولاي ملادينوف، من أن "الوضع الراهن المتدهور" يهدد بأن يصبح دائماً، مع "جيل آخر من الأطفال يكبرون في الخيام في خوف، مع اليأس كأكثر الأشياء عقلانية بالنسبة لهم ليشعروا بها". هذه الكلمات، التي تخرج من مسؤول في المجلس نفسه، هي أقوى اعتراف بفشل المجلس في مهمته الأساسية.
-الاقتراحات:
انطلاقاً من تحليل نقاط الضعف القاتلة في مجلس سلام غزة، أقترح ما يلي:
1. إلغاء هذا المجلس تماماً ؛ أو إعادة هيكلة جذرية للمجلس تتضمن تمثيلاً فلسطينياً حقيقياً وفاعلاً في جميع مستويات صنع القرار، بدلاً من الاكتفاء بلجان تكنوقراطية استشارية تفتقر إلى السلطة. بدون هذا التمثيل، سيظل المجلس كياناً استعمارياً بغطاء دولي.
2. إخضاع المجلس لرقابة مالية وقانونية دولية صارمة، مع إنشاء آلية شفافة لمتابعة التبرعات وصرفها، وضمان عدم تحويل الأموال إلى مشاريع تخدم أجندات سياسية بدلاً من احتياجات الشعب الفلسطيني.
3. إلغاء أي محاولة لمنح المجلس حصانة قانونية، وضمان خضوع جميع أعضائه وقواته ومقاوليه للقانون الدولي والقضاء الفلسطيني، مع إنشاء لجنة تحقيق دولية لمحاسبة أي مسؤول يرتكب انتهاكات بحق المدنيين الفلسطينيين في قطاع غزة.
4. وقف تحويل المجلس إلى منظمة غير حكومية، والعودة به إلى إطار هيئة دولية تخضع لرقابة الأمم المتحدة ومجلس الأمن، مع تحديد ولايته بغزة فقط وعدم السماح بتوسيعها لتشمل مناطق أخرى مثل الضفة الغربية او القدس المحتلة.
5. ربط أي تمويل لإعادة الإعمار بوقف دائم لإطلاق النار وانسحاب إسرائيلي كامل من غزة، وضمان عدم استخدام أموال الإعمار كورقة ضغط سياسي لفرض واقع جديد على الفلسطينيين.
6. تشكيل لجنة دولية مستقلة لتقييم أداء المجلس بشكل دوري، ورفع تقارير علنية إلى مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة، مع التوصية بحل المجلس إذا فشل في تحقيق أهدافه الإنسانية الأساسية وتحديد المدة الزمنية لعمل هذا المجلس الفاشل.
ختاماً ،إن مجلس السلام في غزة ليس مجرد مبادرة فاشلة، بل هو نموذج متكامل لـ"كعب أخيل" في العمل الدبلوماسي الدولي. فمن غموض قوة الاستقرار، إلى غياب التمثيل الفلسطيني، إلى الأزمة المالية، إلى محاولات الإفلات من العقاب، إلى التحول الكارثي إلى منظمة غير حكومية، فإن كل عنصر من عناصر هذا المجلس يحمل في طياته بذور فشله. والأكثر مأساوية أن هذا الفشل ليس مجرد إخفاق إداري، بل هو كارثة إنسانية تتكشف يومياً في شوارع غزة، حيث يدفع الفلسطينيون الثمن الأغلى مقابل تجارب سياسية فاشلة. وكما قال مدير عام وزارة الصحة في غزة الدكتور منير البرش؛ "هم يتقاسمون السلام ونتقاسم الخيام، هم يرسمون الخطط ونبحث عن دفء"؛هذه الكلمات تلخص ببلاغة جوهر المأساة؛مجلس بلا سلام، وسلام بلا مجلس، وغزة تنتظر.
