‏عندما تعجز العدالة الدولية... كيف تشعر الشعوب بالأمن ؟

تابعنا على:   12:48 2026-06-28

‏د. سائدة البنا

أمد/ ‏من حق كل إنسان على هذه الأرض أن يعيش آمنًا، وأن يطمئن على حياته وأسرته ومستقبله، وأن يشعر بأن هناك قانونًا دوليًا يحميه إذا تعرض للظلم أو العدوان. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو:

‏كيف يمكن لشعوب العالم أن تؤمن بمنظومة العدالة الدولية، بينما ترى منظمة الأمم المتحدة عاجزة عن وقف الحروب، وحماية المدنيين، وإنفاذ القرارات التي أُنشئت من أجلها؟

‏لقد تأسست الأمم المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية حتى لا تتكرر مآسي الإنسانية، ولتكون مظلة تحفظ السلم والأمن الدوليين، وتصون كرامة الإنسان بغض النظر عن جنسه أو دينه أو قوميته. غير أن الواقع في كثير من الأزمات يثير تساؤلات مؤلمة حول قدرة المجتمع الدولي على الوفاء بهذه المبادئ.

‏وغزة تمثل اليوم أحد أكثر الأمثلة إيلامًا في نظر كثيرين حول العالم.

‏فعلى مدى أشهر طويلة، تابع العالم صور الدمار الهائل، وسقوط أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين، وتشريد الأسر، وتدمير المنازل والمستشفيات والمدارس، ومعاناة السكان من نقص الغذاء والدواء والمياه، بينما ظل كثيرون يتساءلون: أين المجتمع الدولي؟ وأين الآليات التي وُجدت لحماية المدنيين أثناء النزاعات؟

‏إن مشاهد الأطفال الذين فقدوا عائلاتهم، والأمهات اللواتي يبحثن عن لقمة تسد رمق أبنائهن، والمرضى الذين ينتظرون العلاج، لم تعد مجرد أخبار عابرة، بل أصبحت اختبارًا حقيقيًا لضمير الإنسانية ولمصداقية النظام الدولي.

‏ولا يتعلق الأمر بغزة وحدها، بل بمستقبل العدالة في العالم كله. فإذا شعر أي شعب أن القانون الدولي لا يوفر له الحماية عندما يحتاجها، فإن الثقة بالمؤسسات الدولية تتآكل، ويزداد الشعور بأن العدالة تُطبق بصورة غير متساوية

‏إن الشعوب لا تطلب المستحيل، بل تطلب أن تكون حياة الإنسان وكرامته فوق كل اعتبار، وأن تُحترم قواعد القانون الدولي الإنساني، وأن تُبذل جهود حقيقية لحماية المدنيين وإنهاء معاناتهم، أيًا كان مكانهم أو انتماؤهم.

‏إن الأمن لا يصنعه السلاح وحده، ولا البيانات الدبلوماسية، بل تصنعه العدالة. والسلام لا يقوم على موازين القوة، بل على احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون.

‏فإذا كانت غزة، بكل ما شهدته من معاناة، لا توقظ ضمير العالم، فمتى يستيقظ؟ وإذا عجزت المؤسسات الدولية عن حماية الإنسان في أصعب لحظات ضعفه، فكيف يمكن لشعوب العالم أن تشعر بالأمن والأمان، أو أن تستعيد ثقتها بمنظومة أُنشئت أساسًا لحماية الإنسانية؟

‏إن التاريخ لا يتذكر حجم الكلمات التي قيلت، بل يتذكر المواقف التي أنقذت الإنسان، ورسخت العدالة، وأثبتت أن كرامة البشر ليست قابلة للتجزئة أو الانتقاء.

اخر الأخبار