مجهول خطاب الرئيس عباس ..وحضور سياسة "الباب الدوار"!

تابعنا على:   07:31 2015-10-01

كتب حسن عصفور/ وانتهت "اللحظة" التي كان لها أن تكون "تاريخية" بالمعني السياسي الوطني العام، بخطاب الرئيس محمود عباس في الأمم المتحدة ، 30 سبتمبر 2015، برفع علم فلسطين، مع رفع "حدة اللغة والتهديد"، التي تواصلت منذ سنوات، خطاب امتلك كل الفرص التي لم تسبق للرئيس عباس امتلاكها، ليعلن ما كان حقا له أن يكون "موفقا سياسيا تاريخيا من قائد شعب فلسطين"، فانتهى الخطاب بشحنة عاطفية يمكن اعتبارها "تاريخية"..ما بين التأييد "الأعمى" لما قاله، وتأييد محسوب بميزان من ذهب، خوفا من الوقوع فيما لا يجب الوقوع به، ورفض سريع لكل ما به، تحسبا لما سيكون، استنادا لتجربة العلاقة مع الرئيس - الرئاسة منذ بداية "العهد العباسي" المعاصر..

وللحق فقد خسر الرئيس عباس أن يسجل اسمه في سجل الخالدين  السياسيين، كونه هرب مما هو الأهم الذي كان منتظرا، بل وواجبا أن يعلنه أولا لشعبه الفلسطيني الذي لم يعد يحتمل مزيدا "من ضبابية اللغة والمواقف"، وللعالم الذي لم يعد يقيم وزنا اعتباريا لما يحدث من "جرائم حرب" و"جرائم تدنيس" تقوم بها دولة فاشية عنصرية، باحتلال هو الأطول والأخير في عالم السياسة، لكنه لم يعد يمثل "قلقا" لحاضر المنتدى الكوني..ولسنا بحاجة للبحث عن شواهد تفوق ما حدث من كلمات قادة العالم في الجمعية العامة..

اهمال غير مسبوق، كون صاحب الحق لم  يجبر العالم ان يستمع له بتلك اللغة المفترض أن تكون، فبدلا من "لغة الاستجداء السياسي" المملة للشعب الفلسطيني قبل العالم، يجب أن تحضر لغة الفعل المباشر الكفاحي المواجه، الدفاع عن الحق بالفعل الميداني وليس انتظارا لفعل "خطابي" سينتهي مفعوله بعد ثوان من مغادرة منصة الخطابة..

ولذا لم يكن هناك أي رد فعل عالمي أو عربي تجاه خطاب الرئيس عباس "المشحون غضبا جدا"، عدا قادة دولة الكيان، الذين يغضبهم أي كلام يشرح "الجريمة ذاتها"، وهو يعلمون أن "وصف الجريمة ليس بالضرورة اتخاذ ما يجب اتخاذه للقبض على صاحبها"، لكن أداة القياس لقيمة الخطاب ومفاعليه هو ما كان مفترضا من مواقف دولية – عربية لما جاء به لو كان به حقا "خطوات ملموسة"..

ولعل غياب موقف رسمي أمريكي مما جاء بالخطاب هو "أداة قياس سياسية هامة جدا"، فلو حقا أن الخطاب به ما يمثل "انقلابا سياسيا" لجاء رد الفعل من واشنطن قبل تل أبيب والرئيس عباس يلملم أوراق خطابه، كما جرت العادة دوما، لكن "الصمت الأمريكي" كان أبلغ كثيرا جدا من "النطق الاسرائيلي"..

وعودة لما بالخطاب، يمكن الآن بعد انتهاء حالة "الشحن العاطفية جدا"، اكتشاف أن هناك مجموعة "متناقضات" تم ايرادها في النص العباسي، وكأن فرقة كتابة الخطاب سمحت لكل واحد منها أن يضع ما يحب، دون تنسيق سياسي بين "مجموعة النصوص" التي حازها الخطاب العام، الى جانب أن "كل الخيارات مفتوحة" دون أن يكون هناك "خيارا واحدا معلوما"..

الرئيس عباس تحدث عن عدم الاستمرار بالاتفاقات من طرف واحد، وأعلن عن انه سيبدأ بتنفيذ قرارات المجلس المركزي، دون أن يحدد بالضبط ما هي تلك الاتفاقات التي لن يستمر الالتزام بها، هل هي مجمل الاتفاقات بما فيها "الاعتراف المتبادل"، أم بعضا منها وفقا للتجاوب معه بعد الخطاب..

السؤال هنا ليس فقها لغويا، بل هو جوهر السياسية البديلة، لو كانت هناك سياسة بديلة أصلا، فالرئيس تحدث عن عدم الاستمرار بالالتزام ما دامت اسرائيل لم تلتزم، ولذا هو لم يلغ الاتفاقات مطلقا، ويمكنه العودة اليها في اليوم التالي لو اعلن نتنياهو مثلا التزامه بها في خطابه اليوم الأول من اكتوبر من منصة الأمم المتحدة..فهل يمكن اعتبار مثل هذه المواقف سياسة مواجهة حقيقية..

واستمرارا، فخطاب الرئيس عباس اشار الى أنه يدعم "المبادرة الفرنسية لتشكيل مجموعة اتصال لانهاء الاحتلال"، لكن المشروع الفرنسي، كما خطاب الرئيس تجاهل كليا أنه ليس المطلوب قرارا دوليا من مجلس الأمن يبحث انهاء الاحتلال، بل واجب الرئيس عباس أن يطالب بوضع "آلية لتنفيذ" لقرار الجمعية العامة رقم 19/ 67 لعام 2012 الخاص بدولة فلسطين، وهو القرار الذي ورد في الخطاب كحالة وصفية للقائم، وليس كمطلب للتنفيذ الفوري..

لقد جسد خطاب الرئيس عباس قمة "الفوضى السياسية وغياب الموقف المحدد" بفقرتين يمكنهما ان تضع اسس التفكير العباسي الراهن والمستقبلي.. فالرئيس قال للعالم " أذكركم بقرار الجمعية العامة 19/67 لعام 2012 الذي أكد بأن اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية ستكون الحكومة المؤقتة لدولة فلسطين، وأن المجلس الوطني الفلسطيني هو برلمان دولة فلسطين." وليكمل بعدها أن "الوضع الحالي غير قابل للاستمرار، وسوف نبدأ بتنفيذ هذا الإعلان بالطرق والوسائل السلمية والقانونية، فإما أن تكون السلطة الوطنية الفلسطينية ناقلة للشعب الفلسطيني من الاحتلال إلى الاستقلال، وإما أن تتحمل إسرائيل سلطة الاحتلال، مسؤولياتها كافة"..

الدولة - السلطة، ثنائية تلخض تلخيصا مكثفا حقيقة الموقف السياسي في خطاب الرئيس عباس وتفكيره القادم، إما ان تصبح "السلطة الوطنية "منتج أوسلو الكياني السياسي" ناقلة الشعب من "الاحتلال الى الاستقلال" ، وإما "تتحمل اسرائيل سلطة الاحتلال مسؤولياتها كاملة"، اي أنه يعلن هنا استمرار المرحلة الانتقالية للاتفاق..

ولكنه أيضا يقدم "التهديد البديل" بامكانية تنفيذ اعلان الدولة سلميا وقانونيا، دون أي جدول زمني لذلك التنفيذ، ما يؤكد أن "الثقافة السياسية الانتقالية" هي السائدة، وأنه لا زال يقف منتظرا ما سيكون وليس ما يجب أن يكون..

الرئيس عباس اختار "الغموض السياسي الهروبي" بدلا من "الوضوح السياسي المطلوب"..ولذا لا يمكن له أن اعتباره خطاب "الانقاذ السياسي" ما لم يعد الى ترجمته الى مواقف محددة جدا:

*اعلان انتهاء زمن ودور اتفاقات اوسلو بكل جوانبها، وليس التحلل من الالتزام بها..وأهل اللغة والقانون يدركون تماما الفرق بين عدم الالتزام والانهاء..

**اعلان دولة فلسطين قائما سياسيا فوريا، كبديل للسلطة الوطنية بكل مؤسساتها، باعتبارها جزء من التاريخ وليس جزءا من الواقع..وايضا الفرق واضح ما نص عليه الخطاب وما كان يجب ان ينص عليه في هذه المسألة..

***اعلان وقف العمل بـ"الاعتراف المتبادل" بين منظمة التحرير ودولة الكيان وتعليقه الى حين اعترافها بدولة فلسطين ضمن الحدود المقرة في قرار الأمم المتحدة عام 2012 وبعاصمتها القدس المحتلة..

****اعلان أن المطلوب دوليا ليس البحث عن قرار جديد خاص بانها الاحتلال، بل العمل على تنفيذ قرار 19/ 67 حول دولة فلسطين..ولا نظن ان الرئيس وفريقه يجهلون الفرق بين هذا وذاك..

*****اعلان الرئيس ان "مبادرة السلام العربية" بمضونها القديم لم تعد ملبية للواقع السياسي دون تضمينها قرار الاعتراف بدولة فلسطين وفق المقر دوليا..

وبعد عودة الرئيس وجب عليه لو كان يريد الذهاب من "الاحتلال الى الاستقلال" العمل على، دعوة القيادة الفلسطينية الجديدة، بما فيها حماس والجهاد الى لقاء وطني لرسم الاستراتيجية الجديدة..القائمة على وجود دولة فلسطين كحقيقة سياسية، وأن مؤسسات الدولة من الآن، ستكون برلمان الدولة وتكون عضويته الجديدة من أعضاء المجلسين المركزي والتشريعي، وان حكومة الدولة تتشكل من "اعضاء اللجنة التنفيذية مضافا لها ممثلين مناسبين لحركتي حماس والجهاد"..

اجراءات مؤقتة الى حين اجراء انتخابات دولة فلسطين، رئاسية وبرلمانية وليس تشريعية كما جاء في خطاب الرئيس عباس - استنساخا لثقافة الانتقالي السائدة في مجمل مناحي الخطاب -، والبدء بالشروع في تشكيل لجان العمل الخاصة لاصدار الوثائق الخاصة بدولة فلسطين، جواز سفر وهوية ورقم وطني الى كل تلك المسميات الضرورية لتأكيد الحق السياسي فعلا وليس مناشدة..

الخطوات التنفيذية لا حصر لها..لكن السؤال هل يريد الرئيس عباس وفريقه ذلك أم الهدف هو خلق أجواء "ضجة سياسية" تنتهي بعد خطاب نتنياهو..وخروج واشنطن بدعوة الطرفين الالتزام بما هو متفق عليه..كما جاء في بيان "الرباعية الدولية" الذي تجاهل كليا ما تحدث عنه الرئيس عباس..وهو تجاهل ليس مصادفة مطلقا!

الفرحة برفع العلم والاستجابة العاطفية للشحن الخطابي لا تخفي ضرورة نهاية سياسية "الباب الدوار" التي رسمها خطاب الرئيس عباس!

*نعتذر اليوم عن كتابة الملاحظة والتنويه الخاص ..!

اخر الأخبار